ما هو الفرق بين الوعي في اليقظة والوعي في النوم؟    

1. الوعي في اليقظة مصدره الأساسيُّ الحواسُّ الخمس (السمع، البصر، الشمُّ، التذوُّق، اللَّمس)، بينما لا تكون هذه الحواسُّ غالبًا مصدرًا للوعي أثناء النوم.

2. الوعي في اليقظة محدود بقوانين ماديـَّة معيَّنة، ومُقيَّد بقيود لا يستطيع الإنسان الخروج عنها عادة، فلسَمعِه حدود، ولبصره حدود، ولحركة جسمه حدود. أمَّا في الرؤيا فتـتَّسع حدود الوعي بشكل أكبر كثيرًا من اليقظة، فيمكن أن يمرَّ النائم بتجارب حسيَّة أو شعوريَّة – إن صحَّ هذا التعبير – لا يستطيع التعرُّض لها في اليقظة، كرؤياه لنفسه يطير في الهواء، أو يتكلَّم مع الأموات، أو رؤياه للجنَّة أو النَّار، أو غير ذلك من أشباه هذه الأمور.

3. يستطيع الإنسان أن يتحكَّم بدرجة ما في وعيه ويختار أثناء اليقظة، فيسمع أو لا يسمع، وينظر أو لا ينظر، ويفعل أو لا يفعل، بينما قد يفقد هذه القدرة تمامًا في رؤيا المنام، ولو اعتقد في أثنائها أنـَّه يتحكَّم فيها ويختار.

4. يختلف تفسير الوعي في أثناء اليقظة عن تفسيره في أثناء النوم، فأغلب الأشياء التي يدركها الإنسان في اليقظة لا تحتمل في العادة أيَّ معنى أبعد ممَّا يقوم المخُّ بتفسيرها به فورًا، فالسيَّارة سيَّارة، والطائرة طائرة، والسفينة سفينة…إلخ. أمَّا الوعي في أثناء النوم – أو رؤيا المنام -، فقد يكون له تفسير مختلف عمَّا يراه النائم، فقد تدلُّ السيَّارة في المنام على شيء آخر غيرها، وكذلك الحال بالنسبة للطائرة، والسفينة، وغيرهما، وهو ما يُعرَف بتفسير الرؤى.


تفصيلات وأدلة

(1) مـا يظهر هو أنَّ الشخص يفقد إحساسه بالزمان والمكان في أثناء النوم، والدليل على ذلك ما جاء في قصَّة أهل الكهف التي حكى عنها القرآن الكريم ممَّا يدلُّ على أنهم فقدوا إحساسهم بالزمان والمكان.

فأمَّا فقدانهم الإحساس بالزمان، فدلَّ عليه قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ (الكهف:19)، فهُنا اعتقدوا أنهم ناموا لمدَّة يوم أو ساعات، على الرغم من أنهم قد ناموا ثلاثمائة وتسع سنين، كما في قول الله (سبحانه وتعالى): ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (الكهف:25).

وأمَّا فقدانهم الإحساس بالمكان، فدلَّ عليه قول الله (جلَّ جلاله) على لسانهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ (الكهف:19)، فعندما استيقظوا بعد هذه السنين الطويلة جدًّا، لم يدركوا التغيُّرات التي حدثت للمدينة التي كانوا يعيشون فيها من تعاقُب الأجيال، وتبدُّل الأحوال، وظنُّوا أنها نفس مدينتهم التي تركوها، فأرادوا أن يبعثوا واحدًا منهم بالمال من أجل أن يشتري لهم طعامًا، مع أخذه الاحتياط والحذر من أهل مدينتهم التي خرجوا منها.

(2) نظرًا لأنَّ ما يستطيع النائم أن يفعله – إن صحَّ هذا التعبير – في الرؤيا هو أوسع، وأكبر، وأيسر ممَّا يستطيع أن يفعله في اليقظة، فقد دَرَج الناس على استخدام كلمة «الحُلم» أو «الأحلام» للتعبير عن الأمنيات أو التطلُّعات الشاقَّة التي يصعب تحقيقها في الواقع أو يستحيل، فإذا تحقَّقت هذه الأمنيات قالوا: «حقَّقنا حُلمًا»، فيُقال مثلًا: «كان الطيران حُلمًا للبشريـَّة على مرِّ العصور حتَّى تحقَّق».

وكذلك، تُستخدَم هذه الكلمة في التعبير عن الأوهام، والظنون، والتصوُّرات البعيدة عن الواقع، فيُقال مثلًا: «إذا كان الكافر يظنُّ أنـَّه سوف يدخل الجنـَّة بكُفرِه، فهو يحلُم».

كما يُستخدَم تعبير «أحلام اليقظة» (وهو تعبير مُترجَم) للدلالة على الأمنيات الجميلة التي يسرح الإنسان بعقله في تحقيقها دون أن تتحقَّق في الواقع.

(3) ليس للنائم أيُّ اختيار في رؤياه على الأرجح، بل هي مفروضة عليه، والدليل على ذلك أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لا يُحاسِبه على فترة النوم، بل إنها لا تُحسب عليه من عمله أصلًا، أو كما جاء في قول النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم): «رُفِعَ القَلَمُ عن ثلاثة»، وذَكَرَ منهم «النائم حتَّى يستيقظ» (حديث صحيح – صحيح الجامع).

والله (تعالى) أعلم.

One thought on “ما هو الفرق بين الوعي في اليقظة والوعي في النوم؟    

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s