ما معنى أنَّ الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء الـنُّـبُوَّة؟

هذا وصف اختصَّ به النبيُّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) الرؤيا الصالحة – أو الصادقة – التي يراها المسلمون الصالحون، والتي تبشِّرهم بالخير في أمور دنياهم وآخرتهم.
ومعنى كونها جزءًا من أجزاء النبوَّة أنـَّها تقوم بدور من الأدوار التي كان يقوم بها الأنبياء مع المؤمنين الصالحين في أقوامهم، وهو تبشيرهم بالخير في أمور دنياهم وآخرتهم.


تفصيلات وأدلة

اجتهد العلماء في تفسير معنى ما جاء في الحديث الشريف من أنَّ الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوَّة، فقالوا في ذلك كلامًا كثيرًا، ولكنَّ الظاهر أنَّ احتمالين فقط هما الأقرب إلى الصواب في تفسير هذه المسألة، وهما:
الأول: أنَّ الرؤيا الصالحة جزء من النبوَّة؛ لأنَّ الله (سبحانه وتعالى) يخبر الإنسان فيها بأمور غيبـيَّـة، فهي نوع من أنواع الوحي الشبيه بوحي الله (عزَّ وجلَّ) للأنبياء، وإن كانت الرؤيا الصالحة تختلف عن الوحي النبويِّ في أمور، من ضمنها أنَّ اليقين في صدقها أو صحَّة تفسيرها غير مؤكَّد، عكس وحي الأنبياء الذي لا يتطرَّق إليه الشكُّ مطلقًا.
الثاني: هو المذكور في إجابة السؤال، وهو أنَّ الرؤيا الصالحة تبشِّر المؤمنين الصالحين بالخير في عاجل أمرهم وآجله كما كان يفعل الأنبياء مع أقوامهم. والتبشير بالخير هو إحدى المهمَّات التي أرسل الله (عزَّ وجلَّ) الأنبياء من أجل القيام بها، كما في قوله (تعالى): ﴿رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء:165).
وقد جاء في حديث النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم): «إنـَّه لم يَبقَ من مُبشِّرات النبوَّة إلَّا الرؤيا الصالحة يراها المسلم (وفي رواية: العبد الصالح) أو تُرَى له» (رواه مسلم)، وكذلك، جاء عنه (صلَّى الله عليه وسلَّم): «إنَّ الرسالة والنبوَّة قد انقطعت، فلا رسول بعدي، ولا نبيَّ». قال أنس بن مالك (رضي الله [تعالى] عنه): فشقَّ ذلك على الناس، فقال: «لكن المبشِّرات». فقالوا: يا رسول الله! وما المبشِّرات؟ قال: «رؤيا المسلم، وهي جزء من أجزاء النبوَّة» (حديث صحيح – رواه الترمذيُّ).
والراجح أنَّ الاحتمال الثاني هو الأقرب إلى الصواب، وذلك لأنـَّه بالربط بين عبارة «مبشِّرات النبوة» الواردة في الحديث الشريف السابق ذكره، مع ما جاء في الآية الكريمة الأسبق ذكرها من تبشير الرُّسُل للناس، يُمكن الربط بين بشارات الرؤى الصادقة، وبين مهمَّة التبشير بالخير التي كان يقوم بها الأنبياء والرُّسُل مع الصالحين من أقوامهم.
ومن الجدير بالذكر أنَّ الأحاديث الصحيحة قد اختلفت في عدد أجزاء النبوَّة التي ذُكرت الرؤيا كجزء منها.
فقد جاء في بعضها عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم): «الرؤيا الصالحة جزء من ستَّـة وأربعين جزءًا من النبوُّة» (رواه البخاريُّ)، وجاء في حديث آخر: «ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءًا من النبوَّة» (رواه مسلم)، وجاء في حديث ثالث: «الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءًا من النبوَّة» (رواه مسلم)، وجاء في حديث رابع: «الرؤيا الصالحة جزء من خمسة و عشرين جزءًا من النبوَّة» (صحيح الجامع).
والظاهر أنَّ الاختلاف بين أجزاء النبوَّة من حديث إلى آخر راجع لاختلاف النبوَّات نفسها من نبيِّ إلى آخر، فنبوَّة هذا النبيِّ تختلف عن نبوَّة ذاك، وبالتالي، تختلف أجزاؤها من نبيِّ إلى آخر (عليهم جميعًا عامَّةً وعلى نبيـِّنا محمَّد خاصَّةً الصلاة والسلام).
يقول الله (تعالى): ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ (البقرة:253).
أمَّا عن معنى أجزاء النبوَّة نفسها، فلعلَّها تشير إلى ما أنعم الله (تعالى) به على الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام)، وما كرَّمهم (عزَّ وجلَّ) به، وميَّزهم عن غيرهم.
وهنا يُثار سؤال، وهو: هل تُعتبر رؤيا الكافر – إن صَدقت – جزءًا من أجزاء النبوَّة؟
والجواب: أنَّ هذه مسألة اختُلِف فيها على وجهين:
الأول: إذا نظرنا إلى شرف الرؤيا الصادقة في ذاتها، وكونها من الله (تعالى)، وكونها تخبر بأمور غيبيـَّة، فهي إِذَن جزء من أجزاء النبوَّة بصرف النظر عن فساد رائيها، فكون الرائي كافرًا، لا يقلِّل من شأن الرؤيا الصادقة ولا مكانتها، تمامًا كما لا يقلِّل من شأن القرآن الكريم ومكانته العظيمة كفر أو فسوق من يقرؤه.
الثاني: إذا نظرنا إلى وصف الرؤيا الصادقة بأنها جزء من أجزاء النبوَّة على أساس أنها تبشِّر المؤمنين الصالحين بالخير كما كان يفعل الأنبياء مع أقوامهم، وإذا نظرنا إليها باعتبارها كرامة يكرم الله (تعالى) بها أنبياءه وأولياءه، وإذا اعتبرنا أنَّ وصفها بأنها من أجزاء النبوَّة هو تعامل معها على أساس أنها من تركات ومواريث الأنبياء لأقوامهم الصالحين، فحينئذٍ لا يجوز اعتبار رؤيا الكافر جزءًا من أجزاء النبوَّة.
وقد ذهب ابن حجر العسقلانيُّ إلى أنَّ رؤيا الكافر ليست من أجزاء النبوَّة (فتح الباري)، ولعلَّه ذهب إلى هذا الرأي تكريمًا، وتشريفًا، وتعظيمًا لمقام النبوَّة أن تكون له أيُّ صلة أو ارتباط بالكفر أو الكُفَّار.
ولعلَّ هذا الرأي أرجح وأحوط من غيره، وأنَّ رؤيا الكافر قد توصف بالصادقة، ولكنَّها لا توصف بأنها من أجزاء النبوَّة.
والله (تعالى) أعلم.

One thought on “ما معنى أنَّ الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء الـنُّـبُوَّة؟

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s