ما هو أشهر وأفضل ما كُتِب قديمًا وحديثًا في علم تفسير الرؤى؟ وما هو أسوأ ما كُتِب عن الرؤى؟ وما هي مشكلات الكتب التي تتناول تفسير الرؤى؟

هناك العديد من الكتب القديمة التي تناولت هذا العلم، ولكنَّ القليل منها هو المطبوع والمتداول. وأشهر هذه الكتب هو كتاب «تفسير الأحلام»، والمنسوب لمحمَّد بن سيرين (ت110 هـ)، وهو عالِم تفسير الرؤى الأشهر في الإسلام.
والكتاب منتشر بين المسلمين انتشارًا كبيرًا منذ وقت طويل وحتَّى يومنا هذا، كما تتسابق دور النشر على طباعته، وتوزيعه، والدعاية له، رغم ما فيه من الأخطاء الكبيرة والعيوب مثل كلامه القليل جدًّا عن القواعد الضابطة لتفسير الرؤى، والتي لم تتعدَّ بضع صفحات لا يخرج منها القاريء بالشيء الكثير.
وكذلك فعديد من الرموز التي يتناول الكتاب تفسيرها قديمة، أولم يتمُّ تفسيرها بشكل وافٍ. وكذلك فالكتاب يفتقر إلى تفسير رموز حديثة كثيرة ظهرت كالسيارة، والكمبيوتر، والتلفاز…إلخ. وكذلك فالكتاب يفسِّر الرؤى بطريقة: «من رأى في المنام كذا فمعناه كذا، ومن رأى في المنام أنـَّه كذا فهو كذا»، ولا يتمُّ توضيح ارتباط معاني الرؤى بأحوال الناس وأقدارهم ممَّا تسبب في مشاكل كثيرة ومعاناة للعديد من المسلمين الذين حاولوا تفسير رؤاهم به.
ومن أمثلة ما في هذا الكتاب من مشاكل: ما جاء فيه من أنَّ المرأة إذا أمَّت الرجال في الصلاة في المنام، فهذا يعني أنَّ موتها قد اقترب؛ لأنـَّها لا تتقدَّم المصلِّين إلَّا عند الموت (أي ليصلُّوا عليها صلاة الجنازة). وكم من امرأة رأت هذه الرؤيا، وتصوَّرت أنـَّها إيذان بموتها! مع أنَّ هذه الرؤيا قد تدلُّ للمرأة على رئاسة، أو عِلم، أو رفعة شأن، أو رجاحة عقل.
وكذلك فهذا الكتاب مسؤول عن بثِّ كثير من الأوهام والهواجس التي يعاني منها المسلمون في تفسير رؤاهم مثل الاعتقاد بأنَّ القهقهة في المنام رمز شرٍّ، وأنَّ الموسيقى أو الرقص في المنام رمز سوء.
ولا أزال أجد من يسألني عن تفسير رؤيا من المسلمين فيقول: «رأيت أنِّي أضحك، ولكن بدون قهقهة»، وعبارة «بدون قهقهة» هذه تشير إلى خوف الرائي – الذي نتج عن قراءته لهذا الكتاب –  من أن يتصوَّر المفسِّر أنـَّه يضحك في المنام بصوت، فيفسِّرها له تفسيرًا يحزنه أو يضايقه. وقد تكون القهقهة في المنام رمزًا للفرح الكبير، وليست بالضرورة رمز شرٍّ.
وكذلك فالكتاب يستشهد في تفسير الرؤى بأحاديث ضعيفة مثل قوله «أنَّ الدنيا تدل على المزبلة؛ لأنَّ النبيَّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) شبَّهها بذلك» رغم أنَّ هذا الحديث ضعيف.
وكذلك ففي الكتاب كلام تغلب عليه الخرافة والبعد عن الشرع، والعقل، والعلم، وهو كثير لا تخطؤه عين القاريء المسلم الواعي بأمور دينه ودنياه. ومن أمثلة ذلك: ما جاء فيه من أنَّ للرؤيا مَلَكًا موكَّلًا بها دون أيِّ دليل شرعيٍّ على ذلك، وأنَّ اللَّون الأسود في المنام يدلُّ على غلبة السوداء، والأصفر على غلبة الصفراء…إلخ.
وأخيرًا وليس آخرًا، سوء تنظيم الكتاب، فتشعر عند قراءته أنـَّك تعوم في بحر كبير تكاد تغرق فيه ولا تجد من ينقذك، وذلك على الرغم من محاولات كثيرة معاصرة لإخراج طبعات مهذَّبة ومنظَّمة منه.
وبناء على ما سبق، لا ينظر العلماء الشرعيُّون إلى هذا الكتاب على أنَّ له قيمة علميَّة محترمة، ولا ينصح أغلبهم – أو كلُّهم – المسلمين بقراءته، بل ولقد حذَّر منه ونصح بالابتعاد عنه بعضهم.
هناك أيضًا كتاب «تعطير الأنام» لعبد الغنيِّ النابلسيِّ (ت1143 هـ)، وهو أقلُّ سوءًا من الكتاب السابق، وأكثر تنظيمًا، إلَّا أنـَّه أقلُّ انتشارًا منه. ومع ذلك، ففيه من العيوب أيضًا ما لا تختلف كثيرًا عن الكتاب السابق.
ثم يأتي بعد هذين الكتابين كتبًا أخرى لا تختلف عنهما كثيرًا لكن يغلب عليها الندرة، فيصعب جدًّا أن تجدها مطبوعة مثل كتاب «الإشارات في علم العِبارات» لابن شاهين الظاهريِّ (ت873 هـ)، وكتاب «البدر المنير في علم التعبير» للشِّهاب العابر (ت697 هـ)…وغير ذلك من الكتب، والرسالات، والمخطوطات النادرة.
أمَّا عن الكتابات المعاصرة في علم تفسير الرؤى، فلا يكاد يوجد حتَّى الآن عمل علميٌّ قويٌّ نستطيع أن نقول أنَّ فيه تأصيلًا شرعيًّا علميًّا حقيقيًّا لأساسيات وقواعد هذا العلم بما يضمن له مكانًا بارزًا بين العلوم الشرعيَّة، واحترامًا في قلوب العلماء الشرعيِّين، وقبولًا عند عامة الناس، إذ لا يتعدَّى الموجود حاليًا في أفضل أحواله إمَّا أن يكون جمعًا وترتيبًا لآراء واجتهادات العلماء السابقين، أو اجتهادات ضعيفة لبعض المفسِّرين المعاصرين لا ترقى إلى المستوى المطلوب مع احترامنا للجهود المخلصة للجميع.
أمَّا عن أفضل ما كُتِب في هذا العِلم في التراث، فلا أجد أفضل ولا أوفى من فصل في تفسير الرؤيا كتبه الإمام الحسين بن مسعود البغويِّ (ت516 هـ) في كتابه الشهير «شرح السُّنَّة». والكتاب مطبوع ومُتداول. وأنصح المسلمين بقراءة ما جاء فيه عن تفسير الرؤى، ففيه فائدة كبيرة على قِلَّته.
وأمَّا عن أسوأ ما كُتب عن الرؤى، فلا أجد أقبح ولا أشنع مما كتبه ابن خلدون في مقدِّمته من كلام عن الرؤى بما فيه من خرافات، وضلالات، وأوهام لا علاقة لها بالإسلام، ولا بالعقل، بل هو كلام أشبه بسقطات وشطحات الفلاسفة. وممَّا زاد كلامه قبحًا فوق قبح هو خوضه في ماهيَّة الروح وأمور غيبيَّة لا يعلمها إلَّا الله (تعالى)، ولا أنصح المسلمين بقراءة هذا الكلام أبدًا
والله (تعالى) أعلم.

One thought on “ما هو أشهر وأفضل ما كُتِب قديمًا وحديثًا في علم تفسير الرؤى؟ وما هو أسوأ ما كُتِب عن الرؤى؟ وما هي مشكلات الكتب التي تتناول تفسير الرؤى؟

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s