كيف يمكن التمييز بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة؟

في بعض الأحيان، يمكن التمييز بدرجة كبيرة بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، إلَّا أنَّ ذلك قد يكون غير ممكن بسهولة أو نهائيًّا في أحيانٍ أخرى، وذلك نظرًا لعدم وجود معايير قاطعة في أغلب الأحوال يمكن من خلالها الحكم يقينًا بصدق الرؤيا من كذبها.
ففي العديد من الرؤى، قد لا يستطيع الرائي أو المفسر أن يتأكَّد من كون الرؤيا صادقة أم كاذبة. ومع ذلك، يمكن في بعض الأحيان أن يُرَجِّح الشخص صدق الرؤيا، بينما يمكنه أن يُرَجِّح كذبها في أحيانٍ أخرى وفقًا لعلامات معيَّنة فيها.

ومن ضمن العلامات التي تعين على ترجيح صدق الرؤيا من كذبها:
1.  إذا كان الشخص مسلمًـا صالحًا صادقًا، فرؤياه أقرب احتمالًا إلى الصدق منها إلى الكذب، مع عدم انتفاء احتمال كذبها أيضًا، بينما إذا كان الشخص كافرًا أو فاسدًا، فرؤياه أقرب احتمالًا إلى الكذب منها إلى الصدق، مع عدم انتفاء احتمال صدقها أيضًا.
2.  رؤيا شخص للنبيِّ مُحمَّد (صلَّى الله عليه وسلَّم) على هيئته الشريفة التي كان عليها أثناء حياته هي رؤيا صادقة، ويكاد احتمال كذبها أن يكون معدومًا.
3.  الرؤيا السعيدة أو المُفرحة للمسلم الصالح الصادق أقرب احتمالًا إلى الصدق، مع عدم انتفاء احتمال كذبها أيضًا، بينما الرؤيا الحزينة أو الكئيبة للمسلم الصالح الصادق أقرب احتمالًا إلى الكذب، مع عدم انتفاء احتمال صدقها أيضًا.
4. الرؤيا التي في ظاهرها أمر بمعروف أو نهي عن منكر أقرب احتمالًا إلى الصدق، بينما الرؤيا التي في ظاهرها نهي عن معروف أو أمر بمنكر أقرب احتمالًا إلى الكذب، مع احتمال العكس أيضًا في كلتا الحالتين؛ إذ يكون للرؤيا أحيانًا معنى مستتر يختلف عمَّا قد يبدو على ظاهرها من خير، أو شرٍّ، أو صلاح، أو فساد.
5. الرؤيا التي يراها المسلم في أوقات يكون فيها أكثر قربًا من الله (عزَّ وجلَّ) كرؤيا من نام على وضوء، أو ما بعد صلاة الفجر، أو في رمضان، أو الحجِّ، أو الجهاد، أو ما بعد دعاء، أو استغفار، أو توبة، أو استخارة، أو لجوء إلى الله (تعالى)، أو ما شابه ذلك من أمور، فهذه الرؤيا وأمثالها يُرَجَّح أن تكون صادقة، مع عدم انتفاء احتمال كذبها أيضًا.
6.  الرؤيا التي يراها المسلم في أزمان قريبة من يوم القيامة تكون أقرب احتمالًا إلى الصدق، مع عدم انتفاء احتمال كذبها أيضًا.
7.  رؤيا الأشياء ذات العلاقة بالآخرة أو الدِّين كرؤيا ذِكر الله (تعالى)، أو القرآن الكريم، أو الأنبياء، أو المساجد، أو الجنَّة…إلخ، فهذه الرؤيا يُرَجَّح أن تكون صادقة، مع عدم انتفاء احتمال كذبها أيضًا.
8.  الرؤيا التي تحتوي على أشياء غير مألوفة في حياة من يراها يُرَجَّح أن تكون صادقة، مع عدم انتفاء احتمال كذبها أيضًا.
9. الرؤيا التي يتذكَّرها رائيها لفترات طويلة جدًّا (بضع سنين مثلًا) يُرجَّح أن تكون صادقة، مع عدم انتفاء احتمال كذبها أيضًا.
ومن المهم أن نؤكِّد هنا على دور الخبرة في التعامل مع الرؤى (بفضل الله [تعالى] وتوفيقه) في تكوين حاسَّة معيَّنة يستطيع مفسِّر الرؤى من خلالها التمييز بين الرؤيا الصادقة والكاذبة، كما يستطيع خبير التزوير أن يميِّز بين وثيقة صحيحة ووثيقة مزوَّرة.


تفصيلات وأدلة

(1) رؤيا المسلم الصالح الصادق أقرب احتمالًا إلى الصدق؛ لقول النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم): «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثًا» (حديث صحيح – رواه الترمذيُّ).
وكذلك، يقول النبيُّ (صلَّى الله عليه وسلَّم): «رؤيا المؤمن جزء من ستَّة وأربعين جزءًا من النبوَّة» (مُتَّفق عليه).
(2) رؤيا النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) على هيئته الصحيحة صادقة؛ لقوله (صلَّى الله عليه وسلَّم): «ومن رآني في المنام فقد رآني، فإنَّ الشيطان لا يَتَمَثَّل في صُورَتِي» (مُتَّفق عليه).
(3) الرؤيا السعيدة أو المفرحة للمسلم الصالح يترجَّح صدقها، بينما الرؤيا الحزينة أو الكئيبة للمسلم الصالح يترجَّح كذبها؛ لقول النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم): «إذا رأى أحدُكُم الرؤيا يحبُّها، فإنَّها من الله، فليحمد الله عليها، وليُحدِّث بها. وإذا رأى غير ذلك ممـَّا يكره، فإنَّما هي من الشيطان، فليَستَعِذ من شرِّها، ولا يذكرها لأحد، فإنَّها لن تَضُرَّه» (رواه البخاريُّ).
(4) رؤيا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يترجَّح صدقها؛ لأنَّ أوامر الخير ليست إلَّا من الله (عزَّ وجلَّ)، يقول الله (سبحانه وتعالى): ﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل:90)، بينما لا يأمر بالفساد والشرِّ إلَّا الشيطان الرجيم سواءً كان ذلك في رؤيا أو في غيرها، يقول الله (تبارك وتعالى) عنه: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:169).
(5) يترجَّح صدق الرؤيا في الأوقات التي يكون فيها الإنسان قريبًا من الله (عزَّ وجلَّ)؛ لقول الله (تبارك وتعالى) في الحديث القدسيِّ: «إذا تَقَرَّب إليَّ العبد شِبْرًا، تَقَرَّبتُ إليه ذِرَاعًا، و إذا تَقَرَّب إليَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبتُ منه باعًا، و إذا أتاني مشيًا، أتيتُه هَرْوَلَة» (مُتَّفق عليه – صحيح الجامع).
(6) يترجَّح صدق رؤيا المسلم في الأزمان القريبة من يوم القيامة؛ لقول النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم): «في آخر الزمان لا تكاد رؤيا المؤمن تكذب» (حديث صحيح – رواه الترمذيُّ).
ولعلَّه أيضًا لفساد الأزمان القريبة من يوم القيامة، وحالة الوحشة والهمِّ التي يجدها المسلم الصالح في هذه الأزمان، حيث تحيط به الفتن والضلالات من كلِّ جانب، ولا يجد على الحقِّ نصيرًا في كثير من الأحوال، فيكون للرؤيا دور مهمٌّ حينئذٍ في تثبيته على الحقِّ، وتبشيره بالخير في أمور دينه ودنياه.
(7) يترجَّح صدق الرؤيا ذات الرموز المتعلِّقة بالدِّين والآخرة؛ لأنَّ الشيطان ينفُر من هذه الأمور بطبيعته، ومع ذلك، فاحتمال كذب مثل هذه الرؤى موجود أيضًا.
(8) رؤيا الأشياء غير المألوفة في حياة الإنسان يترجَّح صدقها، كرؤيا الأشياء التي لا يفكِّر فيها الإنسان، أو التي لا يتصوَّرها، أو كرؤيا أشياء مألوفة في حياته ولكن في صورة أو حالة غير مألوفة، وذلك لأنَّ رؤيا أحاديث النفس تكون عادة انعكاسًا لبعض الخبرات الفكريـَّة والحياتيـَّة المعروفة أو المألوفة للإنسان.
(9) أحيانًا يتذكَّر الشخص رؤيا معيـَّنة لسنوات طويلة، فتظلُّ عالقة بذاكرته لا ينساها أبدًا. والراجح أنَّ تذكُّر الرؤيا خلال هذه المدَّة الطويلة يُحتمل أن يكون دليلًا على صدقها وأهمِّيَّـة معناها. وقد تذكَّر يوسف (عليه السلام) رؤياه الصادقة التي رآها طفلًا لسنوات طويلة حتَّى تحقَّقت بفضل الله (تعالى).
والله (تعالى) أعلم.

One thought on “كيف يمكن التمييز بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة؟

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s