رؤيا مسلم مجهول تبشر الرسول والصحابة بأعظم بشرات : تحليلات وتفسيرات وفوائد مهمة لرؤيا ‘أصبت بعضا وأخطأت بعضا’

عن عبد الله بن عباس (رضي الله تعالى عنهما) أنه قال: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ، فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ بِهِ، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وأُمِّي، وَاللَّهِ لَتَدَعَنِّي فَلَأَعْبُرَنَّهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): اعْبُرْهَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَّا الظُّلَّةُ، فَظُلَّةُ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطِفُ مِنَ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ، فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ، وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ، وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ، فَأَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ، أَصَبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أَصَبْتَ بَعْضًا، وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا، قَالَ: فَوَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُحَدِّثَنِّي مَا الَّذِي أَخْطَأْتُ، قَالَ: لَا تُقْسِمْ» (متفق عليه).

في هذا الحديث جاء رجل من عامة المسلمين إلى مجلس النبي (صلى الله عليه وسلم)، فساله عن رؤيا، وهي أنه رأى سحابة، وأنها تقطِّر سمنا وعسلا، وأن الناس يلتقطون هذا النازل بأكُفِّهم، فبعضهم يجمع منه الكثير، وبعضهم يجمع منه القليل، ثم رأى حبلا يتدلى من السماء إلى الأرض، فأمسك النبي (صلى الله عليه وسلم) بهذا الحبل فصعد به، ثم أمسك به رجل آخر بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) فصعد به، ثم أمسك به رجل ثالث بعده ليصعد به لكن انقطع به الحبل، ثم التأم الحبل أو انصلح هذا القطع الذي حدث فيه، فاتصل ببعضه مرة أخرى، فصعد به الرجل الثالث.
طلب سيدنا أبو بكر الصديق (رضي الله تعالى عنه) من النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يسمح له بتفسير الرؤيا، فسمح له،  فقال في تفسيرها: أن السحابة هي الإسلام، وأن العسل والسمن هما القرآن بما فيه من حلاوة ويُسر، وأن الحبل هو الحق الذي يلتزم به النبي (صلى الله عليه وسلم)، ولعل المقصود بالحق هنا التطبيق العملي للإسلام أو دولة الإسلام التي أسسها النبي (صلى الله عليه وسلم)، والتي تحكم بالحق والعدل الذي أمر به الله (عز وجل)، وتحارب الكفر والفساد الذي نهى الله (عز وجل) عنه. ثم استكمل (رضي الله تعالى عنه) بأن هذه الدولة سيعز ويرتفع شأنها بقيادة النبي (صلى الله عليه وسلم)، ثم يأتي رجل آخر بعده (صلى الله عليه وسلم) في القيادة، فتزاد الدولة عزا ورفعة بقيادته، ثم يأتي رجل ثالث بعده ليقود، ولكن يحدث أمر يكاد أن يضيع بسببه هذا الحق أو يُقضي عليه، أو تكاد تنتهي بسببه دولة الإسلام، لكن ينتهي هذه الأمر، ويعود الحق كما كان، فتزداد دولة الإسلام عزا ورفعة بقيادة الرجل الثالث.

بعد أن انتهى سيدنا أبو بكر الصديق (رضي الله تعالى عنه) من تفسيرها، سأل النبي (صلى الله عليه وسلم) إن كان تفسيره للرؤيا صوابا أم خطأ، فأخبره (صلى الله عليه وسلم) أن بعض التفسير صواب وبعضه خطأ، فأقسم أبو بكر على النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يخبره بما أخطأ فيه، فامتنع النبي (صلى الله عليه وسلم) عن أن يخبره بذلك، ونهاه عن القسم.
المقصود بدولة الإسلام في هذا السياق هو دولة النبي (صلى الله عليه وسلم)، ثم دولة الخلافة التي تكون على منهاج النبوة.
وتشير الرؤيا إلى إقبال الناس على الإسلام والدخول فيه لما فيه من عوامل الجذب للقلوب والعقول، وتشير أيضا إلى ما كان للإسلام من دولة أسسها النبي (صلى الله عليه وسلم)، وهي الدولة الإسلامية التي بدأت في المدينة المنورة منذ هجرته (صلى الله عليه وسلم) إليها، والتي سيرتفع شأنها وتتقوى كثيرا، ثم تبدأ مرحلة الخلافة بأبي بكر (رضي الله تعالى عنه)، فتزاد هذه الدولة رفعة وقوة، ثم عمر بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه)، فتزاد الدولة به رفعة وقوة، ثم عثمان بن عفان (رضي الله تعالى عنه)، ثم تحدث فتنة قتل عثمان، فلا يؤثر ذلك على استمرار دولة الخلافة ورفعتها وقوتها، فتزداد علوا ورفعة رغم ذلك. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
جاء في الحديث الشريف عن عبد الله بن عباس (رضي الله تعالى عنهما) أنه قال: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَرَى اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ ظُلَّةً تَنْطِفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ، فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ، فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ…».
الظاهر أن هذا الرجل الذي أتى إلى مجلس النبي (صلى الله عليه وسلم) هو رجل مجهول من عامة المسلمين. وفي ذلك دليل على أن المسلم العادي قد يرى رؤى لا تختص فقط بأموره الشخصية، بل قد يراها لغيره من الناس، بل قد يراها لأمة الإسلام كلها، رغم أنه رجل غير معروف من عامة المسلمين يختصه الله (تعالى) بهذا الفضل والكرم.
والظُّلَّة هي كلمة يمكن أن تطلق على أي شيء يستظل به الناس، وقد تطلق على السحابة أيضا، وهذا هو المعنى الأرجح هنا؛ لأنه رآها في منامه تنطف أو تقطِّر، وهذا لا يحدث إلا في حالة السحاب والمطر.
أما السمن والعسل، فلم يذكر الرائي إن كانا مختلطين ببعضهما أم لا، ذلك لأن أبي بكر الصديق (رضي الله تعالى عنه) فسرهما بمعنى واحد، وهو القرآن الكريم، رغم أنهما مادتين منفصلتين، فيحتمل هنا أنهما كانا في الرؤيا مختلطين، أو أن الناس اعتادوا في هذا الوقت على خلط السمن بالعسل وأكلهما معا كطعام واحد، لا سيما أنهما كانا في حالة سائلة في الرؤيا.
وقد روي في الأثر أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد خلط السمن بالعسل بالدقيق، أو كما جاء عن عبد الله بن سلام (رضي الله تعالى عنه) قَالَ: لمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِلَى الْمِرْبَدِ(1)، فَرَأَى عُثْمَانَ بن عفَّان – رضي الله عنه – يَقُودُ نَاقَةً تَحْمِل دَقِيقًا وَسَمْنًا وَعَسَلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “نَخِّ”، فَأَنَاخَ، فَدَعَا بِبُرْمَةٍ(2)، فَجَعَلَ فِيهَا مِنَ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ وَالدَّقِيقِ، ثُمَّ أَمْرَ فَأُوقِدَ تَحْتَهَا حَتَّى نَضَجَ، ثُمَّ قَالَ: “كُلُوا”، فأَكَلَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، ثُمَّ قَالَ: “هَذَا شَيْءٌ يَدْعُوهُ أَهْلُ فَارِسٍ الْخَبِيصَ”. (مجمع الزوائد/رجاله ثقات/قيل: حديث ضعيف).
وقد فسر ذلك سيدنا أبو بكر الصديق (رضي الله تعالى عنه) بقوله: «…أَمَّا الظُّلَّةُ، فَظُلَّةُ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا الَّذِي يَنْطِفُ مِنَ السَّمْنِ وَالْعَسَلِ، فَالْقُرْآنُ حَلَاوَتُهُ وَلِينُهُ، وَأَمَّا مَا يَتَكَفَّفُ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، فَالْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْمُسْتَقِلُّ…».
فالظلة في هذه الرؤيا هي رمز للإسلام؛ لأن الله (تعالى) شبَّه الإسلام في القرآن الكريم بالظلِّ، أو كما في قوله (عز وجل) في سورة فاطر: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23)﴾. وهذا الأسلوب هنا يسمى بالاستعارة التصريحية، فقد شبه الإسلام بالظل، ولم يصرح بالمشبه أو الإسلام صراحة، ولكن صرح بالمشبه به أو الظل فقط.
أما السمن والعسل فقد فسرهما الصديق (رضي الله تعالى عنه) بالقرآن الكريم، ولعل ذلك يكون بسبب أن السمن غذاء والعسل شفاء للأبدان، كما أن القرآن الكريم شفاء لما في الصدور وتزكية للقلوب. وهذا يطلق عليه في علم تفسير الرؤى: “التشابه في الوظيفة”، أي يتشابه السمن مع القرآن في كونه غذاء لكن هذا للبدن وذاك للقلب، بينما يتشابه العسل مع القرآن في أن كليهما شفاء، لكن هذا شفاء للأبدان وذاك للصدور وما فيها من أمراض نفسية وأباطيل وأوهام. وهذا التشابه يجعل هذا يفسر بذاك، أي السمن والعسل في المنام يفسران بالقرآن الكريم.
أما خصائص السمن والعسل من حلاوة ولين، فهي خصائص القرآن الكريم أيضا، فهو حلو حلاوة ينجذب لها الناس، وحلاوة القرآن هنا بمعنى أنه يتناسب مع الفطرة السليمة والطباع المستقيمة التي يستحسنها العقلاء ويقبلون عليها، وذلك من حيث شكله ومضمونه ومنهجه. فهو حلو كحلاوة العسل، لكن العسل حلو المذاق باللسان، والقرآن حلو المذاق بالفؤاد. أما لين القرآن الكريم، فالمقصود به سهولته وبساطة معانيه بحيث يستطيع أن يقرأه كل أحد وأن يفهمه بصرف النظر عن مستواه التعليمي والثقافي، وذلك كالسمن يستطيع كل أحد أن يأكله بسهولة ويسر دون مشقة، بل إنه يوضع في الأصل على الطعام لتليينه، وحتى لا يكون الطعام يابسا صعبا في الأكل.
وهكذا كان القرآن الكريم في حلاوة العسل وفي لين السمن.
أما قوله: «…فَأَرَى النَّاسَ يَتَكَفَّفُونَ مِنْهَا بِأَيْدِيهِمْ، فَالْمُسْتَكْثِرُ وَالْمُسْتَقِلُّ…»، فالتكفُّف هو بسط الكفِّ للمسألة، كما يفعل بعض السائلين للمسلمين أمام المساجد أو في الطرقات العامة طلبا للمساعدة. وأخذ الناس بكفوفهم من السمن والعسل هو استقبال المسلمين للإسلام، وتعلمهم لمبادئه، وتطبيقهم لتعاليمه. والتكفُّف هكذا يدل على قيمة وأهمية ما يجمعه الإنسان في كفِّه، وشعوره بعظمته، وحرصه عليه. وهذا هو شأن المسلم مع دينه، يعرف أن إسلامه نعمة عظيمة، فيحرص عليه، ولا يستهين به ولا يستهتر، كما نرى حال العديد من “المسلمين” (والعياذ بالله تعالى).
أما المستكثر والمستقلُّ، فالناس يتفاوتون في مستويات علمهم بالإسلام، وفهمهم لأحكامه، وتطبيقهم لها، فالإيمان درجات واستعدادات، لا يتساوى المسلمون فيها، وسبحان الله الهادي إلى سواء السبيل.
وهذا الجزء من الرؤيا يشير إلى انتشار الإسلام على المستوى الأفقي، أي على مستوى القاعدة الشعبية العريضة من الناس أو الأفراد، عكس الجزء المتبقي من الرؤيا والذي يشير إلى انتشار الإسلام ككيان أو كوحدة أو كقوة ممثلة في الدولة الإسلامية وما سوف تبلغه من توسع وقوة. والدليل على ذلك أن الجزء الأول من الرؤيا ظهر فيه ناس أو جماعة مجهولة، بينما ظهر في الجزء الثاني شخص بعينه، وهو النبي (صلى الله عليه وسلم) والخلفاء الراشدون (رضي الله تعالى عنهم)، فالجماعة رمز للناس، والشخص رمز للكيان أو الدولة وقيادتها.
ومن خلال ما سبق نلاحظ كيف تتناسق وتترابط أجزاء الرؤيا الواحدة، فتتعدد رموزها وتتشعب معانيها الجزئية، لكنها في النهاية تصبُّ في اتجاه واحد وتدور حول معنى يجمعها كلها. كما نلاحظ كذلك كيف يعين تفسير أول الرؤيا على تفسير آخرها، فإذا كان الجزء الأول يدل على انتشار الإسلام كأفراد، فإن الجزء الثاني يدل على انتشار الإسلام كدولة.
ثم يستكمل الرجل قصَّ رؤياه قائلا: «…وَأَرَى سَبَبًا وَاصِلًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، فَأَرَاكَ أَخَذْتَ بِهِ فَعَلَوْتَ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَانْقَطَعَ بِهِ، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ فَعَلَا،…».
وقد فسر سيدنا أبو بكر الصديق هذا الجزء بقوله: «…وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، فَالْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ تَأْخُذُ بِهِ فَيُعْلِيكَ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ مِنْ بَعْدِكَ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ،…».
إذا كان الجزء الأول من الرؤيا يتحدث عن الإسلام كدين يعتنقه ويفهمه ويطبقه أفراد، فإن الجزء الثاني منها يتحدث عن الإسلام كدولة يمثلها يمثلها رمز.
وإذا كان الناس في الجزء الأول يستقبلون النازل من السماء إلى الأرض بأيديهم، فإن النبي (صلى الله عليه وسلم) والرجال الآخرين يصعدون من الأرض إلى السماء بأيديهم على الحبل. هؤلاء يستقبلون النازل، وأولئك يصعدون. هل رأيت هذا التضاد في الرؤيا؟ لعل الهدف من هذا التضاد هو توضيح طبيعة الإسلام كدين وطبيعته كدولة ومدى التكامل بينهما، فهو تضاد تكامل وليس تناقضا. فالإسلام كدين أو كتعاليم، لا يطلب فيه من الناس إلا أن يستقبلوه ويفهموه ويطبقوه على أنفسهم كما نزل من عند الله (تعالى) دون تغيير أو تبديل، وهذا هو ما يفعله من يجمعون السمن والعسل في أيديهم، أما الإسلام كدولة، فلا يكتفى فقط بالفهم والتطبيق الشخصي، بل لا بد من الأخذ بأسباب الرفعة والتقدم والقوة لهذه الدولة لتكون في القمة؛ لأن الحق يحتاج إلى القوة لتحميه وتدافع عنه، وهذا هو ما يفعله النبي (صلى الله عليه وسلم) والرجال الآخرون بالصعود على الحبل أو السبب؛ بمعنى الأخذ بأسباب الرفعة والتقدم للدولة الإسلامية.
ونلاحظ هنا أن استقبال الناس للسمن والعسل بأيديهم في الجزء الأول من الرؤيا أسهل وأيسر من الصعود على الحبل باليد في الجزء الثاني من الرؤيا، فالأولى مهمة قد تبدو أبسط كثيرا من الثانية. وهذا هو الفرق بين الإسلام كدين والإسلام كدولة، فالإسلام كدين يحتاج في الأساس إلى حسن استقبال وفهم للتعاليم والأحكام النازلة من السماء، بينما يحتاج تكوين الدولة إلى جهد بالغ وعمل شاق، وهذا هو الفرق بين المستقبل للسمن والعسل والصاعد على الحبل.
إن هذين الجزئين من الرؤيا يوضحان هذين المعنيين الذين يشكلان أساس الإسلام وهما الإيمان والعمل أو الاعتقاد وبذل الجهد أو الدين والدولة. وهما معنيان لا ينفكان عن بعضهما أبدا ولا يستقيم الإسلام إلا بكليهما معا.
نعود مرة أخرى لتفسير الرؤيا، أو الجزء الثاني منها، فتظهر هنا الدولة الإسلامية بقيادة النبي (صلى الله عليه وسلم) تزداد رفعة وقوة وانتشارا، وهو صعوده (صلى الله عليه وسلم) على الحبل، ثم يأتي الرجل الأول، ويفعل الشيء نفسه، وهو رمز لأبي بكر الصديق الخليفة الأول (رضي الله تعالى عنه)، تزداد في عهده دولة الإسلام رفعة وقوة، ثم الرجل الثاني، وهو رمز لعمر بن الخطاب الخليفة الثاني (رضي الله تعالى عنه)، تزداد في عهده دولة الإسلام رفعة وقوة، ثم الرجل الثالث، وهو رمز لعثمان بن عفان الخليفة الثالث (رضي الله تعالى عنه)، تزداد في عهده دولة الإسلام رفعة وقوة، ثم…
ثم ينقطع الحبل، وهذا رمز للفتنة التي أحدثها المنافقون في عهد عثمان بن عفان، وانتهت بمقتله (رضي الله تعالى عنه)، وكادت أن تقضي على الدولة الخلافة الإسلامية الراشدة وما حققته من رفعة وقوة، إلا أن الحبل قد اتصل مرة أخرى، ومعنى ذلك أن هذه الفتنة لم تحقق هدفها بالقضاء على دولة الخلافة، بل انتقلت إلى علي بن أبي طالب (رضي الله تعالى عنه)، فاستكملت به مسيرة رفعة الدولة الإسلامية وقوتها.
ولكن بعد أن انتهى أبو بكر الصديق من تفسير الرؤيا، وسأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن صواب التفسير أو خطئه، أخبره أن بعضه صواب وبعضه خطأ، فأين هو الخطأ؟
لعل الخطأ الظاهر هنا هو قوله: «…ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ،…». فهو قد فسر الرؤيا هنا على أن الرجل الثالث (الذي سيكون الخليفة الثالث عثمان ابن عفان) سوف تضطرب دولته أو يحدث فيها خلل، لكن سينتهي الخلل، ويواصل هذا الرجل عمله وجهده ومسيرته، وهذا ما قد يوحي به ظاهر الرؤيا فعلا من انقطاع الحبل ثم وصله واستكمال الرجل نفسه للصعود، ولكن هذا لم يحدث، فإن هذا الرجل الثالث، أو عثمان بن عفان، قد قتل (رضي الله تعالى عنه)، واستكمل العمل والمسيرة والجهد رجل آخر، وليس هو كما يبدو من الرؤيا.
وهنا يظهر طبع مهم من طبائع الرؤيا، وهو ستر بعض الأمور المحزنة والمؤلمة في حياة المسلم حتى لا يحزن ويتألم بسببها لزمن طويل، أو حتى لا تضطرب حياته إذا عرف بها قبل زمن من حدوثها. فالظاهر من الرؤيا، وما قد يتصوره المفسر أن الرجل الثالث سوف تضطرب دولته أو تحدث فيها مشاكل (انقطاع الحبل)، ثم تنتهي هذه المشاكل ويستمر الرجل، لكن المقصود فعلا هنا هو استمرار دولة الخلافة أو المنهج نفسه في الحكم، وليس استمرار الشخص. الظاهر استمرار الشخص أو الحاكم، والمعنى الحقيقي هو استمرار الدولة أو أسلوب الحكم، أي أن مقتل الخليفة عثمان بن عفان لن يؤدي إلى انتهاء دولة الخلافة أو منهج الحكم الإسلامي أو مسيرة الرفعة والقوة، بل سيتواصل كل ذلك بمشيئة الله (تعالى) وفضله (سبحانه).
فكأن المقصود هنا ليس استمرار الخليفة عثمان بن عفان كشخص، كما يبدو من ظاهر الرؤيا، ولكن استمراره كمنهج حكم وخلافة راشدة وإنجازات كبيرة متمثلة في شخص الخليفة علي بن أبي طالب، كما يكون التلميذ امتدادا لأستاذه والابن امتدادا لأبيه، وفي المثل المصري يقولون: من أنجب، لم يمت، وذلك على أساس أن ولده امتداد لسيرته كشخص، فكأنه ما زال يعيش كشخصية وأخلاق وسلوك متمثلا في ولده، وإن كان الشخص قد مات.
من الفوائد المهمة في هذه الرؤيا:
1.  أن تفسير الرؤيا أمر جائز مستحب، ولو كان في ذلك سعي ومشقة.
2. أن تفسير الرؤيا لا يقتصر على الأنبياء فقط، بل على من هم دونهم من الناس.
3. أن الرؤى المهمة أو العامة أو التي تتناول شأنا مصيريا يخص أمم وشعوب لا تقتصر بالضرورة على الرؤساء أو الكبراء، كما حدث في رؤيا الملك في سورة يوسف (عليه السلام)، بل قد يراها واحد من عامة الناس أيضا.
4. أن تفسير الرؤيا هو اجتهاد ظني، قد تتعدد احتمالاته، وقد تستتر بعض معانيه لدرجة لا يتمكن المفسر الموهوب من اكتشافها.
5. أن الرؤيا إذا عرضت على المفسر التقي العالم ليفسرها، فقد أصاب تفسير أكثرها على الأقل إن لم يكن كلها.
6. أن الخطأ في تفسير الرؤيا لا يقدح بالضرورة في علم المفسر وفضله – إن كان رجلا مسلما تقيا مجتهدا صاحب علم حقا – ، بل قد تأتي المعاني في الرؤى متوارية أحيانا ومستترة أحيانا ومتعددة الاحتمالات الخفية أحيانا بحيث لا يستطيع المفسر اكتشاف الخطأ إلا عند تحقق الرؤيا فعلا، وذلك لحكمة إلهية.
7. أن الخطأ في تفسير الرؤيا ليس حراما أو أمرا يعاقب عليه فاعله إذا كان مسلما عالما تقيا بذل ما في وسعه وعلمه بإخلاص وأخطأ دون قصد. أما أن يكون الشخص جاهلا أو فاسدا، ويتطوع لتفسير رؤى الناس دون علم، فهذا بلا شك من الحرام الذي يعاقب عليه فاعله.
8. جواز امتناع المفسر عن تفسير الرؤيا أو بعضها إذا علم فيها ما قد يؤذي المسلم أو يسبب له ضررا نفسيا أو ماديا، ودون ضرورة إبداء أسباب هذا الامتناع، كما لم يشأ النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يبين للصديق خطأه في تفسير الرؤيا.
9. أن رموز الرؤى تكون في العادة من بيئة رائيها وما يعرفه ويألفه كالسمن والعسل والحبل، وبالتالي فعلم المفسر ببيئة الرائي وأدواتها مسألة مهمة في تفسير الرؤى.
10. جواز عرض الرؤيا على أكثر من مفسر، بشرط أن يكونوا جميعا من أهل العلم والثقة والتقوى، فقد عرض الرجل رؤياه على النبي (صلى الله عليه وسلم) وعلى أبي بكر الصديق (رضي الله تعالى عنه)، وكلاهما يفسر الرؤى.
11. جواز اجتماع أكثر من مفسر على تفسير رؤيا وتشاورهم فيها، وتصويب أو تخطئة أحدهم للآخر، بشرط ان يكون ذلك بعلم وفهم ودليل، وليس مجرد جدال عقيم.
12. جواز أن يتقدم المسلم لتفسير رؤيا في حضرة من هو أعلم منه إذا كان يملك أدلة قوية يعتقد معها أن تفسيره للرؤيا سيكون صوابا شافيا حكيما، بشرط الاستئذان والتزام حدود الأدب.
13. أن الرؤيا التي يحكيها الرائي في كلمات بسيطة قليلة قد تتحقق بعد سنوات طويلة، بل وقد يمتد الزمان الذي تتحقق فيه وقتا طويلا أيضا.
14. أن الرؤى في كثير من الأحيان تتناول الجوانب العامة والمهمة دون التركيز على ما دون ذلك من تفاصيل وأحداث جزئية تتخللها.
15. أن ثقافة الاهتمام بالرؤى وتفسيرها كانت منتشرة في المجتمع المسلم على جميع المستويات ما بين عامة المسلمين وخاصتهم (الرجل المجهول صاحب الرؤيا، والنبي [صلى الله عليه وسلم]، وسيدنا أبي بكر الصديق [رضي الله تعالى عنه]).
16. أن الرؤيا في كثير من الأحيان قد تكون لها جوانب تربوية وتعليمية مهمة يستفيد منها المسلم كما تبين سابقا مما أوضحناه من كون الإسلام دينا وإيمانا ودولة وعملا من خلال تفسير الرؤيا.
17. على الرغم من أهمية سؤال المفسر للرائي عن أحواله وظروفه حتى يتمكن من تفسير الرؤيا على أفضل ما يكون، إلا أنه في بعض الأحيان قد يتغاضى المفسر عن ذلك إذا كان المجتمع صغيرا بسيطا يعرف الناس فيه بعضهم البعض جيدا، ويختلطون ببعضهم كثيرا، ويتآلفون على مباديء مشتركة وأسلوب حياة متقارب.
18. أن المسلم الصالح قد يرى في رؤياه ما يدل على هموم أو أحزان، ولكن كثيرا ما لا تنتهي الرؤيا إلا ببشرى بانتهاء هذه الهموم والأحزان، أو كما جاء في الرؤيا: «…ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ آخَرُ فَيَنْقَطِعُ بِهِ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ،…».
من الأمور الملحوظة كذلك في تفسير هذه الرؤيا ما يسمى بالمنهج التفصيلي في تفسير الرؤى، وهو أن يقوم المفسر بتفسيرها رمزا رمزا، فالظلة هي الإسلام، والسمن والعسل هما القرآن، وهكذا. وهذا عكس المنهج الإجمالي أو العام في تفسير الرؤى، وهو تفسيرها بمعنى عام يجمع كل رموزها معا دون تفصيل لمعاني كل رمز كقول المفسر للرائي: رؤياك زوال هموم، أو فرج من كرب أو نحو ذلك.
والله (تعالى) أعلم

One thought on “رؤيا مسلم مجهول تبشر الرسول والصحابة بأعظم بشرات : تحليلات وتفسيرات وفوائد مهمة لرؤيا ‘أصبت بعضا وأخطأت بعضا’

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s