كيف يستطيع المفسِّر معرفة الزمن الذي قد تدلُّ عليه الرؤيا؟

تحدَّثنا قبل ذلك عن أنَّ الرؤيا الصادقة قد تدلُّ على الماضي، أو الحاضر، أو المستقبل، وقد تدلُّ أحيانًا على أكثر من زمن في الرؤيا نفسها. وقد لوحظ أنَّ أكثر الرؤى قد تدلُّ على المستقبل، بينما قد يدلُّ الكثير منها على الحاضر، بينما قد يدلُّ القليل منها على الماضي. والرؤيا التي قد تدلُّ على المستقبل والحاضر معًا هي من أكثر الرؤى انتشارًا بين الناس، بينما تقلُّ الرؤى التي تدلُّ على الماضي والحاضر معًا، وتقلُّ جدًّا الرؤى التي تدلُّ على الماضي والحاضر والمستقبل معًا.
ويمكن للمفسِّر أن يعرف الزمن الذي قد تدلُّ عليه الرؤيا – سواء كان زمنًا واحدًا أو أكثر – عن طريق معرفة أحوال الرائي، ثم محاولة تركيبها على احتمال لتفسير الرؤيا أو جزء منها. وتكون هذه العمليَّة هي مجرَّد «بداية خيط» – إن صحَّ هذا التعبير – يبدأ المفسِّر من خلاله بمحاولة تحديد الزمن المقصود بالرؤيا. ويمكن تفصيل هذه القاعدة كالتالي:
أولًا: ينبغي على مفسِّر الرؤى أن يفترض أنـَّه ما دامت الرؤيا يمكن أن تدلَّ على زمنين أو ثلاثة معًا، فإنَّ أحداثها قد تكون مُقَسَّمة تبعًا لذلك إلى جزئين أو ثلاثة أجزاء افتراضيَّة، وأنَّ كلَّ جزء منها قد يدلُّ على زمن معيَّن. فهذه مجموعة من الأحداث في رؤيا تدلُّ على الماضي مثلًا (الجزء الأوَّل من الرؤيا)، وهذه أخرى تليها تدلُّ على الحاضر (الجزء الثاني من الرؤيا)، وهذه ثالثة تليها تدلُّ على المستقبل (الجزء الثالث من الرؤيا). وقد تدلُّ الرؤيا على زمنين فقط فلا يوجد في هذا التقسيم إلَّا الجزء الأوَّل والثاني فقط، أو قد تدلُّ الرؤيا كلُّها على زمن واحد فلا يكون هناك داعٍ لافتراض هذا التقسيم.
ثانيًا: يقوم المفسِّر بالتعامل مع الرؤيا أو أجزائها كالتالي:
1. إذا ما انطبقت أحوال الرائي في الحاضر على أحد احتمالات تفسير الجزء الأوَّل من الرؤيا، عرفنا أنَّ هذا الجزء منها قد يدلُّ على الحاضر، بينما قد يدلُّ الجزء الثاني أو ما تبقَّى من الرؤيا على المستقبل.
2. إذا ما انطبقت أحوال الرائي في الماضي والحاضر على أحد احتمالات الجزء الأوَّل والثاني من الرؤيا، عرفنا أنَّ هذين الجزئين قد يدلَّان على الماضي والحاضر، بينما قد يدلُّ الجزء الثالث من الرؤيا أو ما تبقَّى منها على المستقبل.
3. إذا لم تنطبق أحوال الرائي لا في الماضي ولا في الحاضر على أيِّ احتمال لأيِّ جزء من أجزاء الرؤيا، عرفنا أنَّ الرؤيا قد تدلُّ على المستقبل فقط.
4. إذا انطبقت أحوال الرائي في الماضي على احتمال لتفسير الرؤيا كلِّها، عرفنا أنـَّها قد تدلُّ على الماضي فقط.
5. إذا انطبقت أحوال الرائي في الحاضر على احتمال لتفسير الرؤيا كلِّها، عرفنا أنـَّها قد تدلُّ على الحاضر فقط.
6. إذا انطبقت أحوال الرائي في الماضي والحاضر على احتمال لتفسير الرؤيا كلِّها، عرفنا أنـَّها قد تدلُّ على الماضي والحاضر فقط.
7. إذا انطبقت أحوال الرائي في الماضي والحاضر على جزء في بداية الرؤيا، ولكن تبقَّى جزء لم تنطبق عليه أيـَّة أحوال للرائي، عرفنا أنَّ الرؤيا قد تدلُّ على الماضي والحاضر والمستقبل.
ولتوضيح هذه القاعدة نأخذ بعض الأمثلة:
مثال 1: رؤيا يوسف (عليه السلام) وهو طفل، والتي جاء ذكرها في قول الله (تعالى): ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ (يوسف:4).
نفترض أنَّنا لا نعرف تفسير هذه الرؤيا، ونريد الآن أن نعرف على أيِّ زمن قد تدلُّ لرائيها، فنقول أنَّ أحد احتمالات تفسير هذه الرؤيا أنـَّها تدلُّ على عظمة ورفعة شأن لرائيها. ثم ننظر في أحوال الرائي، فنجده طفلًا صغيرًا مسكينًا، ولا علاقة لأحواله في ماضيه ولا حاضره بهذا الاحتمال في التفسير، إذن فهذه الرؤيا قد تدلُّ لهذا الطفل على المستقبل، إذ لا تنطبق أحوال رائيها في الماضي أو الحاضر على أيِّ احتمال لمعنى أيِّ جزء فيها.  
مثال 2: رؤيا النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) المذكورة في القرآن الكريم في قول الله (تعالى): ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ…﴾ (الفتح:27).
وقد دلَّت هذه الرؤيا للنبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) والصحابة على دخول المسجد الحرام. فإذا افترضنا أنَّنا لا نعرف هل تدلُّ هذه الرؤيا لرائيها (صلَّى الله عليه وسلَّم) على الماضي، أو الحاضر، أو المستقبل، فلننظر في أحوال النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) والصحابة وقتها، فنجد أنـَّهم لم يتيسَّر لهم دخول مكَّة المكرَّمة، وبالتالي فالرؤيا لا تدلُّ على الحاضر، ثم ننظر في أحوالهم في الماضي، فنجد أنَّ النبي (صلَّى الله عليه وسلَّم) والصحابة لم يكونوا آمنين في دخولهم المسجد الحرام في مكَّة نتيجة أذى المشركين، وبالتالي فالرؤيا لا تدلُّ على الماضي ولا على الحاضر، إذن فهي تدلُّ على المستقبل.
مثال 3: نفترض أنَّ شخصًا قد رأى نفسه في المنام يأكل طعامًا كثيرًا وهو سعيد، ثم جاءه شخص فسرق منه الطعام فسبَّب له ذلك حزنًا شديدًا.
ما يظهر أنَّ أحد احتمالات تفسير الرؤيا أنـَّها تتعلَّق بالرزق، وأنـَّها يحتمل أن تدلَّ لرائيها على فقر بعد غِنى، ولكن في أيِّ زمن يحدث الفقر؟ وفي أيِّ زمن يحدث الغِنى؟ وبسؤال الرائي عن أحواله عرفنا أنـَّه ميسور الحال ولا يعاني من أيـَّة مشاكل ماليَّة في الوقت الحاليِّ، إلَّا أنـَّه كان فقيرًا في بداية حياته.
نبدأ بتطبيق أحوال الرائي في الماضي على احتمال معنى الرؤيا فنجد أنَّ حاله في الماضي (كان فقيرًا في بداية حياته) لا ينطبق على احتمال معنى الجزء الأوَّل من الرؤيا (رأى نفسه يأكل طعامًا كثيرًا وهو سعيد)، وهكذا لا تدلُّ الرؤيا على الماضي.
ثم ننتقل لأحواله في الحاضر، فنجد أنَّ حاله في الحاضر (ميسور الحال ولا يعاني من أيـَّة مشاكل ماليَّة) ينطبق على احتمال معنى الجزء الأوَّل من الرؤيا (رأى نفسه يأكل طعامًا كثيرًا وهو سعيد)، وهكذا يمكن أن نستنتج أنَّ الجزء الأوَّل من الرؤيا قد يدلُّ على الحاضر؛ لأنَّ أحوال الرائي في الحاضر انطبقت على أحد احتمالات تفسيره، وبالتالي يكون الباقي من الرؤيا كلُّه (ثم جاءه شخص فسرق منه الطعام، فسبَّب له ذلك حزنًا شديدًا) إشارة إلى ما يُحتمل أن يحدث في المستقبل. إذن فهذه الرؤيا قد تدلُّ على الحاضر والمستقبل معًا.
مثال 4: نفترض أنَّ رجلًا رأى نفسه في رؤيا يرتكب معصية، ثم تركها ودخل مسجدًا، ثم خرج من المسجد ونطق بالشهادتين. ونريد أن نعرف إن كانت هذه الرؤيا تدلُّ على الماضي، أم الحاضر، أم المستقبل.
إذن، فلننظر في أحوال رائيها، فنجده كان عاصيًا لله (تعالى) في الماضي، ثم تاب في الوقت الحاضر وانصلح حاله، ثم نجد أنَّ الجزء الأوَّل من الرؤيا (رأى نفسه في رؤيا يرتكب معصية) يُحتمل أن يدلَّ على ماضي هذا الشخص الذي كان فيه عاصيًا لله (تعالى)، وهكذا تم تركيب حالة الشخص في الماضي على أحد التفسيرات التي يحتملها جزء من الرؤيا.
ثم ننظر في أحواله في الحاضر، فنجد أنـَّه قد تاب، فنقوم بمحاولة تركيب هذا الحال على الجزء الذي يليه في الرؤيا (دخوله المسجد)، فنجد أنَّ حالة التوبة هذه يمكن أن يحتملها معنى دخول المسجد في الرؤيا، وبالتالي تنطبق هذه الحالة على أحد احتمالات تفسير جزء آخر من الرؤيا، إذن فهذا الجزء من الرؤيا قد يدلُّ على الحاضر.
ثم يتبقَّى لدينا جزء آخر لا يظهر أنـَّه ينطبق على ماضٍ أو حاضرٍ لرائيه، وبالتالي فقد يدلُّ على المستقبل. وبناء على ذلك، فقد تدلُّ هذه الرؤيا على الماضي، والحاضر، والمستقبل معًا.
ولا شكَّ أنَّ تطبيق مثل هذه القاعدة ليس مسألة سهلة في كلِّ الأحوال، فقد تواجه المفسِّر بعض الصعوبات، منها:
1. غموض أحوال الرائي.
2. فشل المفسِّر في الربط بين أحوال الرائي وبين أيِّ احتمال ممكن لتفسير الرؤيا أو أيِّ جزء منها؛ لكثرة أحوال الرائي وتعقُّدها، أو لكثرة احتمالات الرموز في الرؤيا وتشعُّبها، أو لكليهما معًا.
3. تطبيق مثل هذه القاعدة يحتاج لموهبة في تفسير الرؤى، ولتدريب عليها حتَّى يقوم المفسِّر بها بشكل تلقائيٍّ.
وقد يُثار هنا سؤال مهمٌّ، وهو: هل من الضروريُّ أن يتمَّ تفسير أحداث الرؤى بترتيب زمنيٍّ من الأقدم إلى الأحدث، بمعنى أنَّه هل بالضرورة أنَّ ما جاء في الرؤيا أوَّلًا لا بدَّ أن يدلَّ على ما حدث أو يحدث أوَّلًا؟ والجواب هو: نعم، فهذا هو المتعارف عليه في تفسير الرؤى، فما جاء في الرؤيا أوَّلًا يدلُّ عادة على ما يحدث أوَّلًا، وما جاء فيها بعد ذلك، يدلُّ على ما سوف يحدث بعد ذلك…وهكذا. ولم أجد لهذه القاعدة أيَّة استثناءات، ولكن ربَّما يكون لها استثناءات قليلة، كأن يرى المسلم في منامه أنَّه في الوقت الحاضر، ثم تذكَّر شيئًا من الماضي. ولكن بصفة عامَّة الأصل والقاعدة أنَّ أحداث الرؤيا تأتي دائما بترتيب زمنيٍّ من الأقدم إلى الأحدث، ويتمُّ تفسيرها بهذا الشكل.
والله (تعالى) أعلم.

One thought on “كيف يستطيع المفسِّر معرفة الزمن الذي قد تدلُّ عليه الرؤيا؟

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s