كيف يستطيع المفسِّر التمييز بين كون الشخص مقصودًا بذاته في الرؤيا أو كونه مجرَّد رمز فيها؟

لا تخلو رؤيا مسلم من أشخاص يراهم في منامه، فهذا يرى أمه، وذاك يرى زوجته، وثالث يرى زميله في العمل…إلخ. ولكن هل وجود هؤلاء في الرؤيا هو وجود حقيقيٌّ؟ أم وجود رمزيٌّ؟ بمعنى أنـَّه إذا رأى شخص أمَّه في المنام على سبيل المثال، فهل يتمُّ تفسيرها على أنـَّها أمُّه ذاتها؟ أم على أنـَّها رمز لشيء أو شخص آخر؟
فمثلًا: نفترض أنَّ فتاة رأت في المنام أنَّ أمَّها قد أعطتها هديَّة جميلة. فقد تدلُّ الأمُّ هنا في الرؤيا على الأمِّ نفسها، ويكون تفسير الرؤيا أنـَّها خير يحدث للفتاة على يد أمِّها، وقد تدلُّ الأمُّ في الرؤيا على شيء مختلف تمامًا عن شخص الأم، كأن تكون رمزًا للحبِّ أو الحنان، أو لامرأة أخرى لها نفس صفات أمِّها، أو للبلد التي تعيش فيها الفتاة، فتكون الأمُّ في الرؤيا رمزًا يدلُّ على معنى مختلف.
وعلى الرغم من الصعوبات التي قد تواجه المفسِّر في بعض الأحيان لتحديد ما إذا كان المقصود بالشخص الظاهر في الرؤيا هو ذاته نفسها أم أنـَّه مجرَّد رمز في الرؤيا، فإنَّ التقليد العام المتَّبع في هذه المسألة عادة هو أنـَّه كلَّما كان الشخص الظاهر في الرؤيا أكثر تأثيرًا في حياة الرائي في الواقع وأقوى علاقة به، كلَّما كان ظهوره في الرؤيا أقرب إلى الدلالة على شخصه، وليس على رمز، بينما كلَّما كان الشخص الظاهر في الرؤيا أقلَّ تأثيرًا في حياة الرائي وأبعد علاقة به، كلَّما كان أقرب إلى أن يكون رمزًا له معنى مختلف، دون اعتبار ذلك قاعدة تشمل جميع الحالات دون أيِّ استثناء؛ لأنَّ هناك قواعد أخرى كثيرة قد تدفع بترجيح هذا الرمز في الرؤيا على احتمال معيَّن.
فمثلًا: إذا رأى مسلم في منامه مديره في العمل الحاليِّ، فالأرجح أنَّ المقصود به هو هذا المدير ذاته، أمَّا إذا رآه المسلم بعد أن ترك العمل بفترة طويلة وانقطعت العلاقات، فإنَّ الأرجح هنا أن يكون هذا الشخص في الرؤيا هو مجرَّد رمز للدلالة على معنى مختلف.
وكذلك فظهور الأشخاص في الرؤيا في هيئات مختلفة عن أحوالهم في الواقع شكلًا، وفعلًا، ومضمونًا قد يُرجِّح في كثير من الرؤى كونهم رموزًا، وليسوا مقصودين بذاتهم. ومن أمثلة ذلك: ما رآه الصحابي عبد الله بن عباس (رضي الله تعالى عنهما) أنـَّه قال: «رأيت النبيَّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) فيما يرى النائم بنصف النهار وهو قائم أشعث، أغبر، بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأمِّي يا رسول الله، ما هذا؟» قال: «هذا دم الحسين وأصحابه، لم أزل ألتقطه منذ اليوم»، «فأحصينا ذلك اليوم، فوجدوه قتل في ذلك اليوم» (أثر صحيح – رواه أحمد).
ففي الرؤيا السابقة، ظهر النبيُّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) في هيئة ليست هيئته الشريفة، وفي عمل لم يُشتهر به. وبالتالي فوجوده (صلَّى الله عليه وسلَّم) في هذه الرؤيا هو رمز لمعنى كما هو واضح، وليس المقصود هو ذات النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم).
ومثلًا: قد يرى شخص زوجته في المنام في شكل قبيح، فإن لم تكن الزوجة قبيحة في الواقع، لا شكلًا، ولا سلوكًا، وكانت من الصالحات، فلعلَّ هذه الرؤيا تدلُّ له على مشاكل في عمله أو على معنى لا علاقة له بزوجته، بل قد تكون الزوجة في هذه الرؤيا مجرَّد رمز له معنى مختلف عنها.
ومع ذلك، فلا نستبعد أن يأتي الأشخاص في الرؤى بهيئات وأشكال وأحوال مختلفة عن الواقع لكشف جوانب معيَّنة من شخصياتهم وللحكم عليهم، كرؤيا مسلم لآخر في المنام أبيض الوجه، في حين أنـَّه ليس كذلك في الواقع، ويكون بياض الوجه علامة على صلاحه، أو رؤيا مسلم لأحد الدعاة إلى الله (تعالى) في المنام يرتدي ملابس طبيب، في حين أنـَّه ليس طبيبًا في الواقع، وتكون هذه الملابس علامة على إصلاح هذا الشخص لأحوال الناس…وهكذا.
    والله (تعالى) أعلم.

One thought on “كيف يستطيع المفسِّر التمييز بين كون الشخص مقصودًا بذاته في الرؤيا أو كونه مجرَّد رمز فيها؟

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s