كيف يتمُّ تفسير الرؤيا الصادقة التي دخل فيها شيء من أحداث اليقظة؟

تناولنا هذا الموضوع في إجابة سؤال سابق، ونستكمله في إجابة هذا السؤال بمشيئة الله (تعالى)، فنقول أنَّ دخول شيء من أحداث اليقظة في الرؤيا الصادقة قد يكون عاملًا مساعدًا على تفسيرها، فإنَّ ارتباط بعض أحداث اليقظة بالرؤيا لا يأتي عبثًا على الإطلاق، فسبحان من له في كلِّ شيء حكمة.
ويمكن أن تُستخدم أحداث اليقظة التي تتداخل مع الرؤيا في تفسيرها. وذلك بمحاولة الربط بين ما قد يعنيه أو يشير إليه حدث اليقظة المتداخل مع الرؤيا بما يفيد في فهم معناها. ولا شكَّ أنَّ تطبيق هذا يحتاج إلى درجة من الموهبة في تفسير الرؤى، والتدريب عليه.
ومن ضمن أمثلة الاستفادة من أحداث اليقظة الداخلة في الرؤيا:
مثال 1: رؤيا المسلم المهموم نفسه في المنام يبكي، ثم يستيقظ من النوم بعد هذه الرؤيا وقد وجد أثر الدمع في عينيه.
البكاء في رؤيا المسلم المهموم قد يدلُّ على الفرج، وامتداد تأثير البكاء في الرؤيا إلى اليقظة بهذه الصورة قد يكون علامة على قوَّة الرؤيا وعُمق معناها إلى الدرجة التي جعلتها تؤثِّر على ما بعدها في اليقظة بهذا الشكل. فإذا كانت الدموع في المنام كرمز تدلُّ على الفرج، فإنَّ امتدادها إلى اليقظة بهذا الشكل القويِّ، قد يكون علامة على قوَّة وعظمة هذا الفرج بإذن الله (تعالى).
مثال 2: أن يقوم المسلم بالبصق بشكل لاإراديٍّ مع الاستيقاظ من الرؤيا، أو أن يشعر بعد الاستيقاظ من الرؤيا مباشرة أنَّ اللُّعاب يتساقط من فمه، وقد يجد نفسه نائمًا على جانبه الأيسر أو متَّجهًا إلى اليسار في هذه الحالة.
فلعلَّ هذا الذي حدث بعد الاستيقاظ من الرؤيا مباشرة يدلُّ على أنَّ رؤياه هذه خير وسرور، ونجاة من أذى وشرور. وذلك لأنَّ البصق مرتبط بالنجاة من أيِّ أذى أو شرٍّ محتمل من الرؤيا في حديث النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) الذي جاء فيه: «فليَبْصُق على يساره حين يَهِبُّ من نومه ثلاث مرَّات» (رواه مسلم)، أو «…فإذا حَلَم أَحَدُكُم حُلْمًا يخافُه، فليَبصُق عن يساره، وليتعوَّذ بالله من شرِّها، فإنـَّها لا تَضُرُّه» (مُتَّفق عليه).
مثال 3: دخول آيات من القرآن الكريم من مصدر صوت قريب من المسلم النائم إلى رؤياه، كأن يكون المذياع مفتوحًا على إذاعة القرآن الكريم مثلًا بجوار المسلم النائم، فيستمع أثناء نومه منها لآيات من القرآن الكريم. وقد تدخل هذه الآيات الكريمة المسموعة من المذياع أثناء النوم إلى داخل رؤيا ذات أحداث متعدِّدة.
وقد يدلُّ هذا النوع من الرؤى على خير وسرور للرائي المسلم الصالح، وقد يكون لهذا الخير علاقة بالمصدر الذي خرجت منه آيات القرآن الكريم.
فلو افترضنا مثلًا أنَّ المسلم النائم قد استمع في نومه إلى آية فيها بشرى بخير ونعمة من إذاعة القرآن الكريم من القاهرة. فقد يدلُّ ذلك على أنَّ هذا الخير والسرور له علاقة بالقاهرة، أو بإذاعة القرآن الكريم، أو بوسائل الإعلام الإسلاميَّة، أو بالبلاد التي يُقرأ فيها القرآن الكريم بهذه الرواية التي استمع إلى القرآن الكريم بها في المنام كرواية «وَرْشٍ عن نافع» تدلُّ على بلاد المغرب العربيِّ مثلًا؛ لأنـَّها منتشرة عندهم، أو ربـَّما يكون لهذا الخير علاقة بالقاريء الذي يقرأ هذه الآيات الكريمة كالقاريء الشيخ محمود خليل الحُصَري (رحمه الله تعالى)، فقد يكون للخير علاقه بمسجده مثلًا أو بمؤسَّسة خيريَّة تحمل اسمه.
فإذا كانت آيات القرآن الكريم المسموعة في المنام تخرج من كمبيوتر قريب، فقد يدلُّ ذلك على أنَّ الخير المقصود بهذه الآيات له علاقة بالكمبيوتر أو الإنترنت. فإذا كان القرآن الكريم المسموع في المنام يخرج من قناة المجد الفضائيَّة مثلًا، فربَّما كان لمعنى الخير في الآيات الكريمة علاقة بالمجد (أي رفعة الشأن والفخر) أو بالسعوديـَّة؛ لأنـَّها قناة سعوديَّة…إلخ.
فإذا كانت الآيات الكريمة المسموعة في المنام من المذياع تُقرأ مثلًا في حفل افتتاح رئيس الدولة لمشروع قوميٍّ مهمٍّ، فقد يكون للخير في معناها علاقة بحكومة الدولة أو بمشروع من المشاريع في الدولة…إلخ.
وقد يدلُّ هذا النوع من الرؤى على معانٍ أخرى غير هذه المعاني. فقد يدلُّ الاستماع إلى آيات من القرآن الكريم في المنام من مصدر في اليقظة على يقظة القلب رغم غفلة الجوارح، وذلك لأنَّ الاستماع إلى آيات من القرآن الكريم من مصدر باليقظة في أثناء النوم هو ليس من الأمور التي يمكن أن تحدث عادة نظرًا لكون النائم معزول الحواسِّ غالبًا.
وربَّما يدلُّ هذا النوع من الرؤى على نيل العلوم العظيمة وكشف الأسرار والخفايا الكبيرة للرائي، فهي رؤيا كرامة وفضل من الله (تعالى) لأوليائه وأحبَّائه (سبحانه)، وذلك لأنَّ الاستماع أثناء النوم لآيات من القرآن الكريم تُتلى في اليقظة هو كسر لنوع من الحجاب الفاصل في الوعي والإدراك بين اليقظة والمنام، وهو الوعي الذي لا يستطيع الرائي أن يتخطَّى حجابه إلَّا بمدد من الله (تعالى).
ويُحتمل أن يدلَّ هذا النوع من الرؤى على الهداية؛ لأنَّ النوم غفلة للجوارح، و قد يكون كسر آيات القرآن الكريم لهذا الحجاب من الغفلة ودخولها إلى وعي النائم من مصدر في اليقظة رمزًا لإيقاظ القلب من غفلته، وهدايته إلى طريق الله (تعالى).
وقد يدلُّ هذا النوع من الرؤى على مدد من الله (تعالى) ومعونة للمسلم؛ لأنَّ النوم ضعف وعجز عن الإدراك، فكأنَّ دخول آيات القرآن الكريم إلى الوعي في أثناء النوم من مصدر في اليقظة هو كسر لحجاب الضعف والعجز.
أمَّا عن ترجيح معنى معيَّن من بين هذه المعاني السابقة لهذه الرؤيا عند حدوثها، فربَّما يتمُّ ذلك من خلال معاني الآيات القرآنيَّة نفسها وما تدلُّ عليه، وسياق الرؤيا، وأحوال الرائي.
مثال 4: رؤيا مسلم مهموم أنـَّه عطشان في الرؤيا، وأنَّه كلَّما شرب من الماء لا يرتوي، فاستيقظ، فإذا به يشعر بنفس العطش الشديد مع الاستيقاظ. فقد تدلُّ رؤيا العطش هذه على هموم يعاني منها هذا الشخص (اللَّهم اعف عن كل مسلم مبتلى)، وهذا الامتداد للشعور بالعطش من الرؤيا إلى اليقظة قد يدلُّ على شدَّة هذا الهمِّ وقوَّة تأثيره على الشخص (هذا مع استبعاد أن تكون هذه الرؤيا من أحاديث النفس التي قد يرى فيها المسلم ذلك إذا نام عطشانًا). وهذا المثال شبيه بالمثال الأوَّل الخاصِّ بالبكاء والدمع.
مثال 5: رؤيا المسلم أنـَّه يشمُّ رائحة معيَّنة، ثم يستيقظ، فيجدها في يقظته. فإن كانت الرائحة جميلة، فهي رؤيا خير بإذن الله (تعالى). وقد يكون لهذا الخير علاقة بالمكان الذي انبعثت منه الرائحة. فنفترض مثلًا أنَّ رائي الرؤيا هو شابٌّ، وأنَّ هذه الرائحة أتت من أبيه الذي وضعها، فتسلَّلت إلى غرفة الشاب النائم. ففي هذه الحالة، قد يكون لهذا الخير علاقة بالأبِّ.
مثال 6: ترديد المسلم لآيات من القرآن الكريم، أو ذكره لله (تعالى) مع الاستيقاظ من الرؤيا. ويكثر ذلك مع الرؤى التي تحتوي على أنوع من العذاب، أو المعاناة، أو الألم. فيرى المسلم مثلًا أنـَّه يحاول الإفلات أو الاستعاذة من شيء مؤلم، وأنـَّه يقرأ آيات من القرآن الكريم للحفظ من الأذى، ويظلُّ يردِّدها في أثناء الرؤيا، ثم يمتدُّ ذلك به إلى ما بعد اليقظة، مع استمرار الشعور بالضيق أيضًا إلى ما بعد اليقظة.
وقد يدلُّ هذا الامتداد في الشعور بالضيق، وفي قراءة آيات من القرآن الكريم للحفظ أو للتخلُّص من الضيق الذي يشعر به النائم على قوَّة البلاء الذي يعاني منه الرائي في الواقع، وعلى البشرى بقوَّة الفرج في نفس الوقت.
ومن أمثلة هذه النوعيَّة من الرؤى: أنَّ رجلًا مُسلِمًا صالحًا كان قد باع بيتًا قديمًا، وقد بقي هذا البيت مهجورًا لفترة طويلة لم يسكنه أحد حتَّى قيل أنـَّه مسكون بالجنِّ والشياطين. وكان هذا الرجل قد عانى من ظروف صعبة مؤلمة، ووقع تحت مظالم توقَّع له الكثير من الناس أن تكون ذات تأثير سيِّء على مستقبله.
وفي ذات ليلة، نام الرجل فرأى نفسه يقف أمام باب هذا البيت القديم على سُلَّم من حديد مُثبَّت في حائط أمام الباب، ثم بدأ بصعود هذا السلم إلى سطح هذا البيت، ثم رأى بجوار هذا السُّلَّم هُوَّة سحيقة. وفجأة انفتح باب البيت دون أن يفتحه أحد، ففزع الرجل مما حدث، وكأنـَّه ظنَّ أنَّ الشياطين هم الذين فعلوا ذلك، فقفز نازلًا من على السُّلم خائفًا من أن يسقط في الهُوَّة، ولكن سلَّمه الله (تعالى) منها، فقفز من على السُّلم مبتعدًا عن الباب وعن الهوَّة بأمان مرددًا: الله أكبر..الله أكبر..الله أكبر، ردَّدها داخل الرؤيا، وظلَّ يردِّدها مع الاستيقاظ.
أمَّا عن تفسير هذه الرؤيا، فأمَّا السُّلَّم الحديد الذي كان يقف عليه الرجل، فهو حُسن حاله القديم، قبل أن تحدث له الظروف الصعبة، وأما انفتاح باب البيت، فهو الظروف السيِّئة التي عانى منها، وأمَّا الهوَّة التي كاد أن يسقط فيها، فهي ما كان يمكن أن يترتب على هذه الظروف من كوارث، لكنَّ الله (تعالى) سلَّم، وأما ابتعاده عن الباب المفتوح وعن الهوَّة، فإنـَّه نجاة من هذه الظروف السيِّئة وتداعياتها بفضل الله (تعالى)، وأما قوله: الله أكبر، في أثناء الرؤيا وبعد اليقظة، فهذا نصر عظيم من الله (تعالى) لهذا الرجل، وامتداد الكلام إلى ما بعد الاستيقاظ بهذا الشكل علامة على قوَّة النصر وشدَّته بفضل الله (تعالى).
والله (تعالى) أعلم.

One thought on “كيف يتمُّ تفسير الرؤيا الصادقة التي دخل فيها شيء من أحداث اليقظة؟

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s