كيف يتمُّ تفسير الأشخاص الفاسدين في رؤى المسلمين الصالحين؟

كنَّا قد تحدَّثنا من قبل عن رؤى الصالحين، وأحكام تفسيرها، وكيف يتمُّ قلب معانيها بشكل معيَّن أو تفسيرها بعكس المعنى. وتناولنا كذلك رؤى الفاسدين، وأحكام تفسيرها، وكيف يتمُّ قلب معانيها أو تفسيرها بعكس المعنى.
ومع ذلك، ففي بعض الأحيان يظهر في رؤى الصالحين بعض الأشخاص المشتهرين بالفساد، وفي هذه الحالة، تكون لتفسير هؤلاء الفاسدين في رؤى الصالحين أحكام، نذكرها بشيء من التفصيل في النقاط التالية (برجاء مراجعة تفسير الرؤى بقلب المعنى وبعكس المعنى قبل الدخول في إجابة هذا السؤال):
1. إذا ظهر شخص فاسد في رؤيا شخص مسلم صالح في موقف أو هيئة أو وضع سيِّء، وجب قلب معناه على الخير إذا كان تفسيره على الشر سيعود على الرائي المسلم الصالح بالضرر، دون أن يعني ذلك التفسير الطيِّب أيـَّة تزكية أو بشرى للشخص الفاسد.
ومن أمثلة ذلك: رؤيا مسلم صالح أنـَّه موجود بصحبة شخص فاسد في وسط بحر هائج، وأنَّ هذا الشخص الفاسد، أو المجرم، أو الكافر يغرق في البحر، ويقوم بشدِّ المسلم الصالح من يده حتَّى أغرقه معه.
ففي هذه الحالة، لا ينبغي تفسير الرؤيا على أنـَّها عقوبة من الله (تعالى) لهذا الشخص الفاسد، على أساس أنَّ الله (تعالى) يقول: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾ (نوح:25)؛ لأنَّ هذا التفسير سوف يؤدي إلى تفسير رؤيا المسلم نفسه على الشرِّ والأذى له، والأصل أن تفسير رؤى الصالحين على الشرِّ ممنوع.
وكما شاهدنا في الرؤيا السابقة، أخذ الشخص الفاسد المسلم معه وأغرقه، فهل نفسِّر الرؤيا للمسلم على أنـَّها مصيبة ستصيبه مع هذا الشخص الفاسد؟! لا والله! ما هكذا تُفسر رؤى المسلمين الصالحين، بل نحاول قلب تفسير ما حدث للشخص الفاسد على الخير؛ لأنَّ هذا التفسير الطيِّب سوف يعود على المسلم أيضًا. فيمكن مثلًا أن نقول في تفسير هذه الرؤيا أنَّ هذا الغرق هو غرق لهذا الكافر في نعمة، وسوف ينال هذا المسلم نصيب منها. وهكذا نفسِّرها تفسيرًا يدخل الفرح والسرور على نفس المسلم الصالح، وهذا تفسير لغويٌّ؛ لأنَّ العرب يقولون على سبيل المجاز «فلانٌ غارق في النعيم حتَّى أُذُنيه».
ومن أمثلة ذلك أيضًا: أنَّ مُسلِمًا صالحًا فقيرًا يدعو الله (تعالى) بالرزق، قد رأى في منامه أحد رجال المال والأعمال الأثرياء المشتهرين بالفساد وتبديد المال في ما حرَّمه الله (تعالى)، رأى الرائي الصالح أنَّه يطلب من هذا الرجل في الرؤيا أن يعطيه مالًا، وكأنَّ هذا الرجل الفاسد فقير في الرؤيا لا يملك أيَّ مال ليُعطيه للرجل الصالح.
إذا كان هذا الشخص الفاسد قد رأى أنـَّه قد افتقر هكذا في رؤيا تخصُّه هو فقط، فلربـَّما فسَّرها له المفسِّر على أنَّ الله (تعالى) سوف يعاقبه بابتلائه بالفقر وحرمانه من أمواله؛ لأنَّ رمز السوء في رؤيا الفاسدين لا يتمُّ قلب معناه على الخير. ولكنَّ الموقف هنا مختلف، فالرؤيا رآها مسلم صالح، وتفسيرها بهذا الشكل السابق سوف يعود على المسلم الصالح بالضرر؛ لأنـَّه يطلب منه مالًا في الرؤيا، فلو أننا أبقينا على المعنى السيِّء، وفسَّرناها على أنَّ هذا الشخص الفاسد سيفتقر، سيعود ذلك التفسير بالضرر على المسلم الصالح؛ لأنـَّه يطلب منه مالًا في الرؤيا.
ففي هذه الحالة، ينبغي أن نقوم بتفسير فقر هذا الشخص الفاسد في الرؤيا على أنه غِنَى ومال وفير، وأنَّ المسلم سيناله مال ونعمة من هذا الشخص أو مثيله. وهكذا، قلبنا المعنى السيِّء لفقر الشخص الفاسد في رؤيا المسلم الصالح إلى خير؛ لقول الله (تعالى): ﴿إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (النور:32)، ولأنَّ هذا الخير سوف يعود على المسلم الصالح بالخير أيضًا. ولا ينبغي اعتبار أنَّ في ذلك التفسر نوعًا من التزكية أو البشرى لهذا الشخص الفاسد وأمثاله، بل البشرى للمسلم الصالح فقط.
ومن الجدير بالذكر هنا أنـَّه إذا استطاع المفسِّر أن يفسِّر هذه الرؤيا بما ينأى بأي تزكية أو خير بأقصى قدر ممكن عن الشخص الفاسد دون أن يؤذي ذلك التفسير المسلم الصالح، فليفعل.
ومن أمثلة ذلك: أن يتمَّ تفسير الرؤيا السابقة على أنَّ المقصود بهذا الشخص الفاسد شخص آخر مثيله في الغِنى أو الجنسيَّة من أهل الخير، وليس هو المقصود بذاته في هذه الرؤيا. وبهذا نال المسلم الصالح من هذا التفسير خيرًا، بينما حاولنا الابتعاد عن أيَّة تزكية أو بشرى للشخص الفاسد.
2. إذا ظهر شخص فاسد في رؤيا مسلم صالح، وجب قلب معنى الشخص الفاسد أو معنى أيِّ شيء يتعلَّق به في الرؤيا على الشرِّ، إذا كان تفسيره على الخير سيعود على الرائي الصالح بالشر.
ومن أمثلة ذلك: أن يرى مسلم صالح في منامه أنَّ شخصًا فاسدًا يسخر منه، وأنَّ المسلم يبكي بسبب ذلك. فلا ينبغي تفسير هذا الرمز في هذه الرؤيا على أنـَّها سخرية من المسلم أو تحزين له، بل يتمُّ قلب معنى السخرية بأن تُفسَّر على أنـَّها رفعة شأن للمسلم الصالح وانحطاط شأن لهذا الساخر؛ لقول الله (تعالى): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ (الحجرات:11)، وأنَّ بكاء المسلم هو فرح وسرور له برفعة شأنه وانحطاط شأن الآخر؛ لقول الله (تعالى): ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر:34).
3. إذا ظهر شخص فاسد في رؤيا مسلم صالح في موقف خير لا يليق بهذا الشخص الفاسد أو ظهر بمظهر قد يدلُّ على حُسن حاله رغم فساده، ولم يشترك المسلم الصالح في المنام في هذا الموقف، فإن ذلك كلَّه يعود على الرائي الصالح، وليس على الشخص الفاسد.
ومن أمثلة ذلك: أنَّ شابًّا مُسلِمًا صالحًا قد رأى أحد الممثِّلين المشهورين الذين اشتهروا بالفساد، وشرب الخمر، والخبرة بها وبأنواعها، فبِئْسَت الخبرة (والعياذ بالله تعالى). رأى المسلم الصالح في رؤياه هذا الممثِّل وكأنـَّه يجلس على منضدة مع شخص آخر يشربان الخمر ويصادمان كأسيهما كعادة أمثال هؤلاء قبل شربها، وكأنَّ هذا الممثل في الرؤيا بريء ومسكين لا يعرف أن هذه خمرًا، ويصدم كأسه مع الشخص الآخر بعفويـَّة، أو كأنه يفعل ذلك على سبيل الهَزل اعتقادًا منه أنَّ هذا مشروب آخر. وفجأة كأنَّ جماعة من الناس قد مرُّوا عليه، فأخبروه أنَّ ما كان يشربه هذا هو خمر، فلمَّا علم بحقيقة ما كان يشربه، ثارت ثورته، وقام من مكانه بغضب جعله يقلب المنضدة رأسًا على عقب، وكأنَّ إحدى الممثِّلات الفاسدات تنظر إليه وهو يفعل ذلك. كلُّ هذا حدث في رؤيا المسلم الصالح دون أن تكون له أيَّة مشاركة فيه داخل الرؤيا.
طبعًا هذا الموقف الذي حدث من هذا الممثل في الرؤيا لا يليق بشخص مثله ذي خبرة في الفساد، وشهرة بشرب الخمر، بل إنَّ هذا موقف يليق بشخص مسكين بريء المشاعر والأفكار يخشى الله (تعالى). هذه رؤيا حقيقية، رآها مسلم صالح فعلًا، وفسَّرتها له بفضل الله (تعالى).  
وقد فسَّرت لهذا الرجل الرؤيا بأسلوب سأسرده في الحوار التالي، لعلَّه يكون أكثر عونا على الفهم:
–     المفسِّر: يا أخي الكريم! هذا الموقف الذي رأيته في منامك يحدث من هذا الممثِّل ينعكس عليك أنت في الواقع.
–     الرائي: كيف ذلك؟
–  المفسِّر: سوف تتواجد في مجال معيَّن فيه أشخاص فاسدون، وسوف تحاول مُداراتهم في البداية، بما لا يمسُّ دينك وأخلاقك حتَّى لا تصطدم بهم، ولكن عندما تجد أنَّ الأمر سوف يفقدك دينك وأخلاقك، وأنـَّك سوف تصبح جزءاً من الفساد نفسه، فسوف تتمرَّد على هذا الوضع وتُعلن رفضك له.
–     الرائي: ولماذا هذا الممثِّل بالتحديد في الرؤيا؟
–     المفسِّر: ما هي طبيعة الأدوار التي اعتاد أن يقوم بها هذا الممثِّل؟
–     الرائي: أدوار الرجل الوقور ذي الشخصيَّة الجذَّابة.
–     المفسَّر: عسى الله (تعالى) أن ينعم عليك ويرزقك بمثل هذه الصفات.
–     الرائي: ومن هي هذه الممثِّلة التي تنظر إليه؟
–     المفسِّر: ما هي طبيعة الأدوار التي اعتادت أن تقوم بها هذه الممثِّلة؟
–     الرائي: أدوار المرأة المُحبَّة، الوديعة، الراقية، ذات الأصل الطيِّب.
–     المفسِّر: إذن، فهذه زوجة بهذه المواصفات يرزقك الله (تعالى) بها بفضله (عزَّ وجلَّ)، وكرمه، ورحمته (سبحانه).
–     الرائي: كيف عرفت ذلك؟
–    المفسِّر: من نَظَرِها إلى الرجل، فهذا النظر قد يدلُّ في المنام على الزواج؛ لما جاء في الحديث الشريف أنَّ المغيرة بن شُعبة (رضي الله تعالى عنه) أراد أن يتزوَّج امرأة، فقال له النبيُّ (صلَّى الله عليه وسلَّم): «اذهب فانظر إليها؛ فإنه أحرى أن يُؤدَمَ بينكما» ففعل، فتزوَّجها (حديث صحيح – رواه ابن ماجة).
ومن أمثلة ذلك أيضًا: أنَّ مُسلِمًا صالحًا رأى في منامه أحد المطربين المشهورين بالفساد والبعد عن طريق الله (عزَّ وجلَّ) حتَّى مات على ذلك (والعياذ بالله تعالى)، رآه المسلم الصالح في المنام وكأنـَّه يلبس ملابس حسنة، وكأنَّ الناس مجتمعون حوله، فكان تفسير الرؤيا أنـَّها سمعة طيِّبة وشهرة للرائي بين الناس، دون أن يعود ذلك بأيِّ خير أو تزكية على المطرب الفاسد.
4. إذا ظهر شخص فاسد في رؤيا المسلم الصالح، ولم يكن تفسير معناه على الشرِّ يؤذي الرائي المسلم، وجب تفسير معناه على الشرِّ أو قلب معناه على الشرِّ إذا كان ظاهره خيرًا.
ومن أمثلة ذلك: أنَّ مُسلِمًا صالحًا رأى في المنام أنـَّه اقترب من أحد الأشخاص المشتهرين بفسادهم في الواقع، فاشتمَّ منه رائحة كريهة، فابتعد عنه. ففي هذه الرؤيا ينبغي تفسير الرائحة الكريهة التي انبعثت من هذا الشخص على المعنى السيِّء الظاهر فيها نفسه دون أيِّ قلب للمعنى؛ لأنَّ تفسيرها على الشرِّ لن يؤذي المسلم الصالح؛ لأنـَّه ابتعد عن الرجل عندما شمَّ رائحته في الرؤيا.
5. إذا ظهر شخص فاسد في رؤيا مسلم صالح في موقف خير لا يليق بهذا الشخص الفاسد أو بما يدل على حُسن حاله رغم فساده، وكان مشتركًا مع المسلم في الرؤيا في موقف ما، وجب تفسير معنى الشخص الفاسد أو أيِّ معنى يرتبط به في الرؤيا على الخير إذا كان تفسيره على الشرِّ سوف يعود على المسلم بالضرر، دون اعتبار هذا التفسير الطيِّب تزكية أو بشرى للشخص الفاسد، بل بشرى للمسلم الصالح فقط.
ومن أمثلة ذلك: أنَّ مُسلِمًا صالحًا رأى في منامه امرأة اشتهرت بين الناس بفساد الأخلاق والمجاهرة بالمعاصي (والعياذ بالله تعالى)، رأى المسلم الصالح هذه المرأة في المنام تُعلِّمه الصلاة. وطبعًا هذا ظهور للمرأة في الرؤيا في موقف خير لا يتناسب مع سلوكها في الواقع، وكذلك فهي تشترك مع المسلم الصالح في هذا الموقف في الرؤيا.
فإذا قلبنا معنى تعليمها له للصلاة على الشرِّ؛ لأنـَّها إنسانة فاسدة في الواقع، فلربَّما عاد ذلك التفسير السيِّء على المسلم الصالح بالضرر. فمثلًا لو فسَّرنا الصلاة هنا على أنـَّها عذاب أو عقوبة لها على فسادها؛ لقول الله (تعالى): ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾ (الحاقة:31) (راجع تفسير الرؤيا بآيات القرآن الكريم – الجناس، وراجع قاعدة قلب المعنى الظاهر)، لو فسَّرنا الصلاة في الرؤيا هكذا، لنال المسلم الصالح من هذا التفسير نصيبًا من الشرِّ؛ لأنـَّها تُعلِّمُه الصلاة في الرؤيا، ولذلك ينبغي تفسير رمز الصلاة في هذا الحالة على أنـَّه خير ينال هذا الشخص من مثيلة هذه المرأة، ولعلَّها تكون مثيلتها في الشهرة أو السنِّ أو الجمال أو بعض الطباع الجيِّدة، وليس في فساد الأخلاق.
وهكذا قمنا بتفسير هذه الرؤيا على أقصي ما يفيد المسلم ويبشِّره، ونأينا بالتفسير قدر الإمكان عن أن يكون فيه تزكية أو بشرى لهذه المرأة الفاسدة.
والله (تعالى) أعلم.
 

One thought on “كيف يتمُّ تفسير الأشخاص الفاسدين في رؤى المسلمين الصالحين؟

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s