متى يتمُّ تفسير الرؤيا على ظاهرها؟

الأصل في الرؤى أنـَّها تكون رموزًا ذات تفسير يختلف عن ظاهرها، فهذا هو الغالب عليها. فينبغي للمفسِّر أن يتعامل معها في أغلب الأحيان على أنـَّها كذلك.
فمن رأى سيَّارة مثلًا في منامه، فالأصل أنَّ المقصود بها ليس أن تكون سيَّارة، بل هي مجرَّد رمز لمعنى آخر مختلف عنها، ومن رأى في منامه بيتًا، فالأصل أنَّ المقصود به ليس البيت، بل هو مجرَّد رمز يدلُّ على شيء آخر، ومن رأى في منامه أنـَّه يحجُّ، فالأصل أنَّ هذا رمز يدلُّ على معنى آخر غير الحجِّ، ومن رأى في منامه أنـَّه يصلِّي، فالأصل أنَّ الصلاة هنا تعني شيئًا آخر غير الصلاة، ومن رأى في منامه أنـَّه يركب طائرة، فالأصل أنَّ هذا رمز يدلُّ على شيء آخر غير ركوب الطائرة…وهكذا.
ولكن في بعض الأحوال القليلة يتمُّ تفسير رمز الرؤيا على ظاهره، أي كما رآه الرائي، وليس على أنـَّه رمز يدلُّ على معنى آخر، فيكون تفسير رؤيا الذي رأى نفسه في المنام أنـَّه يحجُّ أنـَّه سوف يحجُّ فعلًا، ويكون تفسير رؤيا الذي رأى نفسه يركب الطائرة أنـَّه سوف يركب الطائرة فعلًا، ويكون تفسير رؤيا التي رأت نفسها تتزوَّج أنـَّها ستتزوَّج فعلًا…وهكذا.
ويتمثَّل الضابط الأهمُّ الذي يحكم هذه المسألة في أحوال الرائي، فكلَّما كان ظاهر الرؤيا يمسُّ أمرًا حيويًّا، وخطيرًا، ومُهمًّا في حياة الرائي المسلم الصالح، وكلَّما كان في ظاهر الرؤيا حلٌّ وبشرى بنهاية شيء يعذِّبه ويؤلمه بشكل كبير، كان من الأولى بالمفسِّر تفسير الرؤيا على ظاهرها.
ومن أمثلة ذلك: نفترض أنَّ رجلًا مُسلِمًا واعظًا في مسجد أراد أن يذهب للحجِّ في سنة من السنين، فلم يستطع ذلك؛ لظروف خارجة عن إرادته. وقد أثَّرت فيه هذه المسألة تأثيرًا قويًّا إلى درجة أنـَّه كان يتحدَّث عن الحجِّ فوق المنبر في خطبة الجمعة وهو يبكي. ونفترض أنَّ هذا الرجل قد رأى نفسه في المنام في وقت قريب من هذه الأحداث أنـَّه يحجُّ.
فالأولى بالمفسِّر هنا أن يفسِّر الرؤيا على أنـَّها بشرى له بالحجِّ مباشرة، ولا يتعامل مع الحجِّ في الرؤيا على أنَّ له دلالة رمزيـَّة مختلفة عن معناه الظاهر.
ومن أمثلة ذلك أيضًا: نفترض أنَّ فتاة تعدَّت السنَّ الطبيعيَّة للزواج، فأصبحت مسألة عدم زواجها من المنغِّصات الشديدة لها، ومن الهموم التي لا تفارقها ليلًا ولا نهارًا. ونفترض أنَّ هذه الفتاة قد رأت في منامها أنـَّها تتزوَّج، ففي هذه الحالة يتمُّ تفسير الرؤيا على ظاهرها، أي على أنـَّها بشرى بزواج فعلًا. ولا ينبغي التعامل مع الزواج في هذه الرؤيا على أنـَّه رمز لشيء آخر مختلف عنه.
ومن أمثلة ذلك أيضًا: نفترض أنَّ مُسلِمًا صالحًا قد دخل السجن ظلمًا. فلا شكَّ أن هذا الحبس بالنسبة له هو الهمُّ الأكبر في حياته، والبلاء الأشدُّ الذي يؤلمه نفسيًّا وجسديًّا. ونفترض أنَّ هذا الشخص قد رأى نفسه في المنام أنـَّه قد خرج من السجن. فينبغي في هذه الحالة تفسير هذه الرؤيا على أنـَّها بشرى بخروجه من السجن فعلًا، فيتمُّ تفسيرها كما هي، دون اعتبار أنَّ الخروج من السجن هنا رمزًا لمعنى آخر.
ومن أمثلة ذلك أيضًا: نفترض أنَّ مُسلِمًا صالحًا يُعاني معاناة شديدة في بلده، ويريد أن يسافر إلى بلد آخر، وتسبَّبت له هذه المشكلة في هموم شديدة لا تفارقه. وإذا افترضنا أنَّ هذا المسلم قد رأى في منامه أنـَّه سافر. فبالتالي ينبغي أن يتمَّ تفسير الرؤيا هنا على ظاهرها، أي على أنَّ هذا الشخص سوف يسافر فعلًا بمشيئة الله (تعالى).
ومن الجدير بالذكر أيضًا أنـَّه من الجيِّد أن يقوم المفسِّر بتفسير الرؤيا على ظاهرها إن كانت تعبيرًا عن شيء يحدث للرائي في الواقع فعلًا أو يتوقَّع حدوثه بناء على مقدِّمات موجودة في الواقع.
ومن أمثلة ذلك: أن يرى مسلم صالح في منامه من يقول له: إنَّك مريض بالسِّحر. في حين أنَّ هذا الرائي المسلم يُعاني في الواقع من أعراض غير طبيعيَّة شبيهة بأعراض السحر منذ فترة دون أن يعرف لها سببًا واضحًا.
وقد يُعزى السبب وراء تفسير هذه النوعيَّة من الرؤى بهذا الشكل أنـَّه في بعض الأحيان تكون الهموم ضاغطة على المسلم لدرجة قد تصيب حياته كلَّها بالشلل. وبالتالي تكون الرؤى أكثر وضوحًا، وأكثر ابتعادًا عن الرمزيَّة، وتكون أكثر قربًا من اليقين، فتكون لها من القوَّة ما يدفع عن المسلم الهمَّ الشديد والبلاء الضاغط، والذي قد لا تستطيع أن تدفعه عنه الرؤى التي تكون رموزًا، والتي هي أضعف بلا شكَّ من الرؤى المباشرة.
وتفسير الرؤى على ظاهرها إن كان فيها بشارة وطمأنة للمسلم الصالح في حالات المشاكل، والبلاءات الشديدة، والهموم المؤلمة هو من صميم حُسن الظنِّ بالله (تعالى)، والطمع في كرمه ورحمته  (عزَّ وجلَّ)، وهو من باب تفسير الرؤى للمسلم على أفضل احتمال ممكن لها، وهو عين المطلوب شرعًا وعقلًا.
وقد يسأل هنا سائل: أليس من الخطأ تفسير الرؤيا على ظاهرها بهذا الشكل على أساس أنَّ هذا ينفي عنها الظنَّ أو الاحتمال الذي هو من طبيعتها الأصليَّة التي لا تنفك عنها؟ نقول: لا، لا ينفي تفسير الرؤيا على ظاهرها الظنَّ أو الاحتمال في تفسيرها، ولكنَّه يقوِّي هذا الاحتمال إلى درجة تكاد تُلامس اليقين مُلامسة، ولكنها لا تصل إليه، وذلك لأنَّ احتمال الرمزيَّة في الرؤيا لم ينتفِ تمامًا، ولكنَّه ضعف بشكل كبير.
ومن الجدير بالذكر هنا أيضًا أنَّ هذه النوعيَّة من الرؤى التي يتمُّ تفسيرها على ظاهرها، إذا كانت تتعلَّق أو تخبر بأمر ماضٍ أو حاضر، أصبحت أقوى وأشدَّ في احتمال تحقُّقها من الرؤى التي تخبر بأمر له علاقة بالمستقبل.
فمثلًا: الرؤيا التي رأت الفتاة فيها أنـَّها ستتزوَّج تدلُّ على شيء مستقبليٍّ، والرؤيا التي رأى فيها الرجل نفسه أنـَّه يحجُّ تدلُّ على شيء مستقبليٍّ، والرؤيا التي رأى فيها الرجل نفسه يخرج من السجن تدلُّ على شيء مستقبليٍّ.
ولكن نفترض أنَّ مُسلِمًا صالحًا قد تاه ولده وضاع منه، فسبَّبت له هذه المسألة همًّا وضيقًا شديدًا، وخاف على ولده من أن يتعرَّض لأيِّ نوع من الاعتداء، فسبَّب له هذا الخوف خللًا في حياته كلِّها، فرأى في منامه – برحمة من الله (تعالى) – أنَّ ولده في حالة طيِّبة. فهذه رؤيا ربَّما تدلُّ على حاضر، ولا تدلُّ على مستقبل، فهي أقوى في الدلالة وأقرب لليقين من الرؤيا التي تدلُّ على شيء مستقبليٍّ.
والله (تعالى) أعلم.

One thought on “متى يتمُّ تفسير الرؤيا على ظاهرها؟

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s