هل يمكن أن يرى المسلم الله (عزَّ وجلَّ) في رؤيا؟ وهل يمكن يراه (سبحانه وتعالى) في الرؤيا في صورة معيَّنة؟ 

رؤيا الله (عزَّ وجلَّ) في المنام هي من الحقائق المعلومة والثابتة في العقيدة الإسلاميـَّة الصحيحة (عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة).
ومع ذلك، فمن المهمِّ قبل الدخول في تفاصيل هذا الموضوع التأكيد على أمرين:
1. لا يستطيع الإنسان في الحياة الدنيا أن يرى الله (تعالى) بعينيه، ولا أن يسمعه (سبحانه)، ولا أن يتعامل معه (عزَّ وجلَّ) بشكل مباشر.
2. لا يوجد بين الله (جلَّ جلاله) وبين مخلوقاته أيُّ تماثل.
يمكن للمسلم أن يرى الله (تعالى) في الرؤيا كالتالي:
1. بالإدراك: وهو أن يدرك النائم في أثناء الرؤيا وجود الله (عزَّ وجلَّ) فيها، أو يدرك معلومات منه أو عنه (سبحانه)، أو يتعامل معه (جلَّ جلاله) في الرؤيا دون أن يدرك أيـَّة صورة، أو هيئة، أو شكل، أو صوت، أو رائحة، أو ملمس…له (تعالى).
وبالتالي، فهذا النوع من الإدراك لله (عزَّ وجلَّ) في المنام لا تدخل فيه أيـَّة تجربة «حسيَّة» على الإطلاق.
وقد دَرَج العلماء السابقون على أن يطلقوا على هذا النوع من رؤيا الله (سبحانه): «رؤيا الله (تعالى) بلا كيف ولا كيفيَّة».
2. في صفة ماديَّة تدل عليه (عزَّ وجلَّ): وهو أن يرى النائم في الرؤيا شكلًا أو صورة لمخلوق، أو يسمع صوتًا من أصوات المخلوقات، أو يشعر بملمس لمخلوق، أو يشمَّ شيئًا من روائح المخلوقات، ويعتقد في هذه الرؤيا أنَّ هذا هو الله (تعالى)، أو أنَّ هذا من الله (سبحانه)، أو أنـَّه عن الله (عزَّ وجلَّ).
وعلى الرغم من اعتقاد النائم في أثناء الرؤيا في نسبة هذه الهيئات والصفات المخلوقيَّة لله (تعالى)، إلَّا أنَّ الحقيقة هي أنَّ هذا الذي رآه النائم في رؤياه هو مجرَّد رمز فقط للدلالة على الله (عزَّ وجلَّ)، وليس هو الله (سبحانه) بكلِّ تأكيد.
ومَثَلُ رؤيا رمز مادِّيٍّ في المنام للدلالة على الله (تعالى) كمثل شخص مستيقظ ينظر في لوحة مكتوب عليها لفظ الجلالة «الله»، فهذه اللَّوحة ليست هي الله (عزَّ وجلَّ)، وإنَّما هي مجرَّد رمز للدلالة عليه (جلَّ جلاله).
وهكذا، تكون رؤيا الله (تعالى) في المنام أيضًا، فهي رؤيا رمز يدلُّ على غيره، وليست رؤيا حقيقة، كما أنَّ اللَّوحة هي رمز يدلُّ على الله (سبحانه)، وليست هي الله (تعالى).
وبناءً على ما سبق، فإنَّ إطلاق تعبير «رؤيا الله (عزَّ وجلَّ)» على هذا النوع من الرؤى هو على سبيل المجاز، بينما الصواب هو أن نقول: «رؤيا ما يدلُّ على الله (عزَّ وجلَّ)».
ومن الجدير بالذكر أيضًا أنَّ هذه الرؤيا قد تأتي لتدُلَّ على معانٍ أخرى غير ذات الله (تعالى). (ولنا في هذا الموضوع بحث تفصيليٌّ بعنوان «الله في الرؤيا»، فليُرجَع إليه للاستزادة)

تفصيلات وأدلة

من أصول العقيدة الإسلاميَّة الصحيحة (عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة) أنَّ الإنسان لا يستطيع أن يتعامل مع الله (تعالى) بشكل مباشر في الدنيا سواء بالرؤية، أو الكلام، أو ما شابه ذلك، يقول الله (سبحانه وتعالى): ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى:51).
وكذلك، عندما طلب موسى (عليه السلام) أن يرى الله (عزَّ وجلَّ)، قال له الله (تبارك وتعالى): ﴿لَن تَرَانِي﴾ (الأعراف:143).
وكذلك، يقول النبيُّ (صلَّى الله عليه وسلَّم): «تعلَّموا أنـَّه لن يرى أحدٌ منكم ربَّـه (عزَّ وجلَّ) حتَّى يموت» (رواه مسلم).
ويختصُّ حديثي في هذه النقطة بالأشخاص العاديِّـين فقط من دون الأنبياء الذين قد تحدث استثناءات من هذه القاعدة لبعضهم، كما كلَّم الله (تعالى) موسى (عليه السلام) مثلًا.
ومن أصول العقيدة الإسلاميَّة الصحيحة أيضًا أنـَّه لا يوجد أيُّ تشابه بين الله (عزَّ وجلَّ) وبين مخلوقاته، فهو (سبحانه وتعالى) غير جميع المخلوقات، يقول الله (جلَّ جلاله): ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الشورى:11)، ويقول (سبحانه وتعالى): ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص:4).
رؤيا الله (عزَّ وجلَّ) (بمعنى رؤيا ما يدلُّ على الله سبحانه وتعالى) في المنام هي ممَّا يُحتمل أن يراه النائم، وقد جاء عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) أنـَّه قال: «إنِّي نَعَسْتُ، فاستَثقَلتُ نومًا، فرأيت ربِّي في أحسن صورة» (حديث صحيح – رواه الترمذيُّ).
وكذلك قوله (صلَّى الله عليه وسلَّم): «إنِّي قمت من اللَّيل فتوضَّأت، فصلَّيتُ ما قُدِّر لي، فنَعَست في صلاتي، فاستَثقَلت، فإذا أنا بربِّي تبارك وتعالى في أحسن صورة» (حديث صحيح – رواه الترمذيُّ).
وكذلك جاء في الحديث السابق نفسه: «فرأيتُهُ وَضَعَ كفَّه بين كَتِفَيَّ حتَّى وَجَدتُ بَردَ أنامِلِهِ بين ثَديَيَّ»؛ والمقصود بـ«فرأيُتُه»: أي رأيت الله (سبحانه وتعالى) في الرؤيا.
ولا يُفهم من هذه الأحاديث السابقة نفي أو تأكيد كون النبيُّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) قد رأى الله (تعالى) حقًّا في المنام، فهذا ممَّا لا أخوض فيه، والله (تعالى) أعلم به، ولعلماء العقيدة كلام كثير فيه، فليرجع إليهم وإلى كتبهم، ولكن أستدلُّ بما سبق من الحديث على إمكانيـَّة رؤيا رمز حسِّيٍّ في المنام للدلالة على الله (تعالى) للمسلم العاديِّ من دون الأنبياء؛ لأنَّ هذا هو ممَّا تحتمله دلالة الحديث الشريف، بمعنى أنَّ النبيَّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) قد يكون رأى الله (تعالى) حقًّا في المنام، كما هو (سبحانه وتعالى)، وقد يكون رآه (سبحانه) مجازًا أو رمزًا يدلُّ عليه في المنام كما يراه المسلمون العاديُّون (وهو ما أوضحناه باستفاضة في إجابة السؤال)، فالحديث الشريف هو دليل احتماليٌّ على وجود وصدق هذا النوع من الرؤى عند الأشخاص العاديِّين، وليس دليلًا يقينيًّا، ومع ذلك، فإنَّ شيوع هذه النوع من الرؤى بين العديد من المسلمين الصالحين ربَّما لا يجعلها تحتاج إلى دليل لإثبات وجودها أو صدقها في كثير من الأحيان.
وفي الحقيقة، فإنَّ القول بأنَّ الشخص قد يرى الله (عزَّ وجلَّ) في الرؤيا في صورة أو شكل لمخلوق، أو أن يسمع صوتًا لمخلوق، أو أن يشعر بملمس مخلوق، أو أن يشمَّ رائحة مخلوق…هو على سبيل المجاز؛ فإنَّ الله (جلَّ جلاله) مُنَـزَّهٌ عن التشبُّه بخلقه (سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا).
ولكن يمكن القول بأنَّ الشخص قد يرى في المنام صورة، أو شكلًا، أو صوتًا، أو ملمسًا…رمزيًّا يشبه المخلوقات، يخلقه الله (عزَّ وجلَّ) في قلبه؛ لتوصيل معنى معـيَّن عن الله (تبارك وتعالى). فهذه الصفة المخلوقيَّة ما هي إلَّا مجرَّد رمز رؤيا منام؛ لتوصيل معنى عن الله (تعالى) إلى العقل بطريقة تتناسب مع قدرته على الإدراك، وطبعًا، ليس هذا الرمز هو الله (سبحانه وتعالى) نهائيًّا، وإن كان النائم يعتقد أو يُخلَقُ في قلبه في رؤياه أنَّ هذا الرمز الذي رآه هو الله (عزَّ وجلَّ).
وهنا يُثار سؤال آخر، وهو: هل يستطيع الشيطان أن يُري الإنسان مثل هذا النوع من الرؤى؟ والإجابة هي: ربَّما يستطيع الشيطان ذلك، ولا يفعله إلَّا بإذن الله (تعالى)؛ إذ ليس هناك دليل شرعيٌّ على أنَّ الشيطان لا يستطيع أن يفعل ذلك، وبالتالي فالاحتمال موجود، وقد يأتي الشيطان إلى المسلم في الرؤيا ويُسمِعُه صوتًا، أو يجعله يرى من يقول له: «أنا ربُّك، وآمرك أن تفعل كذا كذا» (والعياذ بالله تعالى).
وأخيرًا يسأل بعض الناس: هل يمكن أن يرى المسلم في رؤياه ما فيه «إساءة للذات الإلهيـَّة الشريفة»، وتكون الرؤيا صادقة؟ والإجابة هي أنَّ المسلم قد يرى في رؤياه الصادقة ما في رموزها الظاهرة إساءة للذات الإلهيـَّة الشريفة، ولكن لا يكون المقصود بها الإساءة بكل تأكيد، بل تكون هذه الإساءة الظاهرة مجرَّد رمز لمعنى مستتر لا علاقة له بها مطلقًا على الراجح، أو ربَّما جائت في الرؤيا كتعبير عن سلوك الكفَّار والفاسدين؛ لتقبيحهم وذمَّهم، كرؤياهم يسيؤون إلى ذات الله (عزَّ وجلَّ) في المنام.
ولا ينبغي للمسلم أن يشعر بالحرج إذا ما رأى مثل هذا النوع من الرؤى، وذلك لأنَّ هذه الرؤى ليست من عند المسلم، وبالتالي فهو ليس محاسبًا عليها ولا مؤاخذًا بها، وكذلك فهذه مجرَّد رموز منام فقط، ولا علاقة لها بأيَّة إساءة لربِّنا (تبارك وتعالى، وجلَّ في عُلاه، وتقدَّست أسماؤه).
ورؤيا الله (تعالى) هي كغالبيـَّة الرؤى، قد تصدق، وقد تكذب، ويمكن ترجيح صدقها من كذبها بتطبيق المعايير المعروفة عليها (والمذكورة سابقًا في هذا البحث).
والله (تعالى) أعلم.

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s