هل يخلق الله (عزَّ وجلَّ) الرؤيا الصادقة في وعي النائم مُباشَرَة أم بواسطة مَلَك؟

لا يوجد دليل من القرآن الكريم أو الأحاديث النبويـَّة الشريفة يمكن من خلاله الإجابة على هذا السؤال بشكل مباشر ودقيق سواءً بالإثبات أو بالنفي، وبالتالي تدخل المسألة في دائرة الاحتمال.
فيُحتمل أن تأتي الرؤى الصادقة من الله ( عزَّ وجلَّ) للنائم بشكل مباشر، ويُحتمل أيضًا أن تأتي من الله (تعالى) للنائم بشكل غير مباشر، أي على يد مَلَك، ويُحتمل كذلك أن يكون كلا الاحتمالين صحيحًا، بمعنى أنَّ هذا قد ينطبق على بعض الرؤى، بينما قد ينطبق ذاك على البعض الآخر.

تفصيلات وأدلة

يقول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (الشورى:51).
بناءً على هذه الآية الكريمة، يحتمل أن نخرج بنتيجتين، وهما:
1. أنَّ في الآية الكريمة إشارة محتملة غير مباشرة إلى أنَّ الله (تعالى) قد يخلق الرؤى الصادقة في وعي النائم بطريق الإيحاء المباشر أو الإلهام، كما قد يدلُّ على ذلك قوله (تعالى): ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾.
2. أنَّ في الآية الكريمة إشارة محتملة غير مباشرة إلى أنَّ الله (تعالى) قد يخلق الرؤى الصادقة في وعي النائم بشكل غير مباشر، أي على يد مَلَك، كما قد يدلُّ على ذلك قوله (تعالى): ﴿يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾.
ومع ذلك، فلا يوجد في الآية الكريمة إشارة مباشرة وصريحة بخصوص هذا الموضوع، أو ترجيح لأحد هذين الاحتمالين على الآخر.
ومن الجدير بالذكر هنا، أنَّ هذه المسألة هي من المسائل المذكورة كثيرًا في كتب أهل العلم، إلَّا أنها غير منضبطة عند أغلبهم  – إن لم يكونوا كلُّهم -، فقد جَزَم غير واحد منهم دون دليل شرعيٍّ بأنَّ للرؤى الصادقة مَلَكًا وكَّل الله (تعالى) إليه خلقها في وعي النائم، حتَّى لقد بالغ بعضهم كثيرًا فسمَّى هذا المَلَك «صدِّيقون»! وذلك على الرغم من أنَّ مسألة «المَلَك الموكَّل بالرؤيا» هذه لا يمكن التأكُّد منها شرعًا؛ إذ لا يوجد عليها دليل صحيح صريح من قرآن كريم أو حديث شريف – كما أوضحنا سابقًا -، كما أنَّ هذا الاسم المزعوم لهذا الملك – إن كان هناك ملك للرؤيا أصلًا – لا يوجد له أيُّ أساس شرعيٍّ.
وقد استدلَّ بعض المشتغلين بتفسير الرؤى استدلالًا خطأ بحديث ضعيف على صحَّة افتراض خلق الله (تعالى) للرؤى الصادقة في وعي النائم على يد مَلَك.
والحديث هو أنـَّه رُوي عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) أنـَّه قال: «رأيت كأنِّي أُتيت بكتلة تمر، فَعَجَمْـتُهَا في فمي، فوجدت فيها نواة آذتني، فلفظتُها، ثُمَّ أخذت أخرى فَعَجَمْـتُهَا، فوجدت فيها نواة، فلفظتُها، ثُمَّ أخذت أخرى فوجدت فيها نواة، فلفظتُها». فقال أبو بكر: دعني فَلَأَعبُرها؟ قال: «اعبُرها». قال: هو جيشك الذي بعثت، يسلم ويغنم، فيَلْقَوْنَ رجلًا فيَنشُدُهُم ذِمَّتَك، فَيَدَعونَه، ثُمَّ يَلْقَوْنَ رجلًا، فيَنشُدُهُم ذِمَّتَك، فَيَدَعونَه، ثُمَّ يَلْقَوْنَ رجلًا، فيَنشُدُهُم ذِمَّتَك، فَيَدَعونَه، قال: «كذلك قال المَلَك» (رواه أحمد).
معاني الكلمات:
«عَجَمتُها»: مضغتُها
«لفظتُها»: قذفتها من فمي
«دعني فَلَأَعبُرها؟»: هل تسمح لي أن أفسِّرها؟
وقد استدلَّ بعضهم من العبارة الأخيرة – «كذلك قال المَلَك» – أنَّ للرؤيا مَلَكًا وكَّل الله (عزَّ وجلَّ) إليه مهمَّة خلق الرؤيا في وعي النائم.
ومع ذلك، نقول أنـَّه بالإضافة إلى ضعف الحديث المذكور، وعدم جواز الاستدلال به في مسألة مهمَّة من مسائل الغيب كهذه، فليست في العبارة الأخيرة منه إشارة واضحة إلى هذا المعنى، بل لقد قال أحد شارحي الحديث أنَّ معنى هذه العبارة هو «كذلك أخبرني المَلَك» (الفتح الربانيُّ)، أي «كذلك أخبرني الملك بتفسير للرؤيا مثل تفسيرك، أو بأنَّ تفسيرك للرؤيا صحيح».
والله (تعالى) أعلم بالصواب.

One thought on “هل يخلق الله (عزَّ وجلَّ) الرؤيا الصادقة في وعي النائم مُباشَرَة أم بواسطة مَلَك؟

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s