الرؤى تبشر المسلمين بالهجرة والفتح والجزاء العظيم، وتعزيهم في مصابهم يوم أحد

عن أبي موسى الأشعريِّ، عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال: «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ. وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ بِأُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ. وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهُ خَيْرٌ فَإِذَا هُمُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ» (متفق عليه).

وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: تَنَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَهُوَ الَّذِي رَأَى فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: «رَأَيْتُ فِي سَيْفِي ذِي الْفَقَارِ فَلًّا، فَأَوَّلْتُهُ: فَلًّا يَكُونُ فِيكُمْ. وَرَأَيْتُ أَنِّي مُرْدِفٌ كَبْشًا، فَأَوَّلْتُهُ: كَبْشَ الْكَتِيبَةِ. وَرَأَيْتُ أَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فَأَوَّلْتُهَا: الْمَدِينَةَ. وَرَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ، فَبَقرٌ وَاللَّهُ خَيْرٌ، فَبَقرٌ وَاللَّهُ خَيْرٌ». فَكَانَ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. (حديث صحيح – رواه أحمد في مسنده)

في الرؤيا الأولى، أو الحديث الأول، يظهر – والله (تعالى) أعلم – أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد رأى هذه الرؤيا قبل الهجرة إلى المدينة المنورة، ولكن سمعها منه أبو موسى الأشعري بعد الفتح الأعظم أو فتح مكة وزوال دولة الشرك والمشركين. والدليل على ذلك قوله (صلى الله عليه وسلم): «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ…»، ومعنى ذهب وَهَلي: ظننت بخلاف الواقع. فدل ذلك على أنها كانت رؤيا قبل الهجرة النبوية الشريفة، وأما كون الراوي قد سمعها بعد الفتح، فلقوله (صلى الله عليه وسلم):  «…فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ…»، ولعله (صلى الله عليه وسلم) قصد باجتماع المؤمنين، أي اجتماع المؤمنين في المدينة (ومن بينهم مهاجرون من مكة) بالمؤمنين الذين كانوا يكتمون إسلامهم في مكة بعد الفتح.

في بداية الرؤى يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ…»، ومعنى ذلك أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان قد رأى قبل الفتح أنه يهاجر إلى أرض بها نخل، لم تكن هذه الأرض معلومه له (صلى الله عليه وسلم) في المنام، ولم يخبره الله (عز وجل) بتفسيرها، فظن (صلى الله عليه وسلم) أنه سيهاجر إلى اليمامة أو هجر(1) ، ولكن تبين له (صلى الله عليه وسلم) بعد ذلك أنها المدينة المنورة أو يثرب كما كان اسمها قبل الهجرة النبوية إليها.
من أهم ما يمكن أن نستخلصه من هذا الجزء من الرؤيا أن تفسير الرؤى قد يخطيء وقد يصيب، وأنها قد تتحقق على ما فسرت عليه أو لا تتحقق، وأن الغيب اليقيني لا يؤخذ من الرؤى، ولا يعلمه إلا الله (عز وجل).

صحيح أن تفسير الرؤى هو علم واجتهاد له قواعد وأصول، وأنه عمل جاد لا ينبغي أن يقوم به إلا من يحسنه، وأن رؤى المسلم أكثرها صادق كما جاء عن النبي (صلى الله عليه وسلم): «فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا تَكَادُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ…» (حديث صحيح – رواه أحمد في مسنده).
وصحيح أن المسلم الصالح الصادق إذا سأل عن رؤياه العالم التقي الثقة، فقد كادت رؤياه أن تتحقق على ما فسرت عليه؛ لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): «الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرْ، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ، وَلَا تَقُصَّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ أَوْ ذِي رَأْيٍ» (حديث صحيح – صحيح الجامع). ومعنى وادٍّ: حبيب، ومعنى ذي رأي: لبيب، أي صاحب علم وسداد في تفسيرها.
ومع ذلك، فإن أفضل النتائج التي قد يصل إليها تفسير الرؤى في أفضل الأحوال لا يعدو أن يكون ظنا، سواء كان هذا الظن قويا جليا يقترب من اليقين، أو كان ضعيفا تكثر فيه الاحتمالات.

وبناء على ذلك، ينبغي للمسلم أن يتعامل مع هذه الرؤى بإيمان وإحسان. فأما الإيمان، فبأن الله (عز وجل) هو الذي يعلم الغيب يقينا، وأن تحقيق هذه الرؤى هو بيد الله (تعالى) وحده، فهو (سبحانه) يملك تحقيقها فعلا أو عدم تحقيقها حتى وإن صدقت وفسرت تفسيرا صحيحا. وأما الإحسان، فهو أن يتعامل المسلم مع الرؤيا بالتوكل على الله (تعالى) وبالدعاء الصادق، فأما التوكل فهو تفويض أمر الغيب إلى الله (تعالى)، وحسن الظن به (سبحانه)، والاعتماد عليه فيما هو آت (جل جلاله) دون تقصير في الأخذ بأسباب الوصول إلى حصول المأمول المقبول شرعا وعقلا، وأما الدعاء الصادق، فهو أن يتوجه المسلم إلى الله (عز وجل) بالقلب واللسان والجوارح متضرعا من أجل أن يحقق له هذه الرؤى وتفسيرها على أفضل ما يكون.

أما التواكل على الرؤى وتفسيرها الطيب، والتعامل معها على أن الإنسان قد ضمن مستقبله وعرف ما يأتيه من الغيب من خلالها، فيدفعه ذلك إلى ترك التوكل على الله (تعالى) والتقصير في العمل، فهذا هو طريق الخسائر والصدمات، يخسر الإنسان علاقته بالله (تعالى)، ويصطدم فيه بما لم يتوقعه أو يتمناه في عاجل أمره وآجله.
لذا وجب على المسلم أن يتعامل مع الرؤيا بالاعتدال دون إفراط أو تفريط حتى تؤدي دورها الصحيح، فتكون بابا يقرب المسلم إلى الله (تعالى)، ويدفعه إلى المزيد من التعلق برحمته (سبحانه)، ولا تكون بابا للقعود والعبث.

من الأشياء المستفادة أيضا مما جاء في أول الرؤيا هو أن هذه الرؤى تكون في الأغلب رموزا ساترة أو كنايات عن أشياء ترتبط بها وتدل عليها. فالأرض التي بها نخل تدل على المدينة المنورة؛ لأنها أرض تشتهر بنخلها. وكذلك يظهر هنا أن معاني الرموز أو ما ترتبط به الكنايات قد تحتمل احتمالات ووجوها متعددة قد يظهر بعضها للمفسر أو قد لا يظهر بحسب ما وفقه الله (عز وجل) إليه من علم وبصيرة، فهذه الأرض التي بها نخل في الرؤيا قد يُحتمل أن تكون اليمامة أو هَجَر، فهي أراضٍ بها نخل كالمدينة.

كذلك يظهر لنا في هذا الجزء من الرؤيا أمر هو غاية في الأهمية، وهو ضرورة أن يعتقد المسلم أن الرؤيا سوف يحققها له الله (تعالى) على أفضل ما تحتمل، فإن لم تتحق على ما فسرها عليه، فسوف تتحقق على ما هو أفضل بمشيئة الله (تعالى)، وهذا من باب حسن الظن بالله (عز وجل)، فهنا ظن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه سيهاجر إلى اليمامة أو هَجَر، فهاجر إلى ما هو أفضل منهما كثيرا، وهي المدينة المنورة، فهي أقرب منهما إلى مكة المكرمة، وذات موقع جغرافي متوسط وقريب من طرق التجارة الرئيسية بين الشام واليمن، وتحيط بها الجبال الحصينة تحميها من هجمات الأعداء، بالإضافة إلى ما فيها من أرض خصبة ونخل مثمر، والأهم من ذلك هو أهلها الطيبون الذي نصروا النبي (صلى الله عليه وسلم) وانتصروا لدعوة الإسلام، في حين مثلا أن اليمامة -على موقعها البعيد عن مكة – قد ظهرت فيها حركة عاتية من حركات الردة بقيادة مسيلمة الكذاب، أما هَجَر فهي في موقع منطقة سهلية مفتوحة، وفي موقع متطرف بعيد عن قلب الأحداث وعموم الناس في الجزيرة العربية.

من بين الأشياء المستفادة أيضا أن الرؤيا قد تأتي بشيء ولا تأتي بشيء آخر، وقد توضح شيئا، ولا توضح شيئا آخر، فالغيب لا يكون صفحة مكشوفة للإنسان من خلال الرؤى غالبا، بل تأتي الرؤى بأشياء تكون في مصلحة الرائي أن يعلم بها، وأن يفسر رموزها، وأن يعرف معانيها، وقد لا تأتي بأشياء أخرى لا يكون في مصلحة الرائي معرفتها كأشياء محزنة أو مفزعة أو نحو ذلك. ولذلك فالغالب على الرؤى أن تأتي لتوضح فواصل معينة أو لمحات مهمة من أمور الغيب، ولا تكشف بالضرورة كل التفاصيل أو كل ما سوف يحدث من مواقف. فهنا أتت الرؤيا بالهجرة إلى أرض بها نخل، لكنها لم تكشف عن هذه الأرض، ولا توقيت الهجرة إليها، ولا كيفية هذه الهجرة، ولا الظروف التي أحاطت بها، بل قامت الرؤيا بالتركيز على الحدث المهم فقط دون التفاصيل. وهذا سبب من ضمن الأسباب التي تجعل المسلم يتعامل بنوع من الحرص وانضباط القلب والجوارح واستقامتها مع الرؤى، فلا هو يرفضها أو يستهين بها ولا هو يفتتن بها أو يركن إليها.

يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): «…وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ بِأُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ…».

في هذا الجزء من المنام، رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قد حرَّك سيفا، فحدث كسر في مقدمته أو نصله أو حدِّه، ففسرها (صلى الله عليه وسلم) بالخسائر التي أصيب بها المسلمون يوم أحد في الأنفس والأموال، ثم رأى (صلى الله عليه وسلم) أنه قد حرَّكه مرة أخرى، فعاد إلى أفضل أحواله التي كان عليها، ففسرها (صلى الله عليه وسلم) بأنها كانت البشرى من الله (عز وجل) بفتح مكة واجتماع المؤمنين في مكة والمدينة.

وهزُّ السيف في الرؤيا هنا أو تحريكه هو كناية عن الحرب التي يخوضها المسلمون؛ لأن الفارس لا يهز السيف أو يحركه إلا في الحرب، أما الكسر في مقدمة السيف، فهو كناية عن الخسائر في الحرب؛ لأن هذا الكسر في عتاد الحرب هو خسارة للمحارب، فكان ذلك رمزا لما أصيب به المسلمون يوم غزوة أحد من مقتل سبعين رجل منهم (رحمهم الله تعالى جميعا، وتقبلهم في الشهداء، وأجزل لهم المثوبة والجزاء).

أما إعادة تحريك السيف أو هزِّه مرة أخرى، فيعود على أحسن ما كان، فهو كناية عن حرب أخرى أو جولة أخرى ينتصر فيها المسلمون على أفضل ما يكون الانتصار ودون خسائر ويلتئم شملهم كما التأم هذا السيف في الرؤيا، وقد حدث ذلك في فتح مكة.

ويظهر في هذا الجزء من الرؤيا أو ما قبله أنها كثيرا ما تأتي بأحداث مهمة أو فارقة أو مؤثرة تعريضا دون أن تدخل غالبا في تفاصيل وأحداث دقيقة أقل أهمية. وهذا من الطبائع الغالبة على العديد من الرؤى يلحظه من يتعاملون معها باستمرار.

يظهر كذلك في هذا الجزء من طبائع الرؤى أن الرؤيا إذا احتوت على ما فيه هم أو حزن، يعقبها عادة ما فيه بشرى وخير، لاسيما في رؤى المسلمين الصالحين على وجه الخصوص ودون غيرهم، أو كما جاء في هذا الجزء من الرؤيا بأن تخبر عن مصيبة يوم أحد، ثم تبشر بالعوض والنصر بعدها يوم الفتح.

من طبائع الرؤى أيضا عدم وضوح التوقيت والفوارق الزمنية بين ما تدل عليه من أحداث غالبا، فالرؤيا هنا لم تحدد وقتا معينا لوقوع ما تخبر به من أحداث، كما أن الفارق الزمني بين غزوة أحد والفتح الأعظم – وهو أشهر وسنوات –  لا يظهر أبدا في التعاقب المتصل بين هزَّتي السيف في الرؤيا، فهزٌّ يتبعه هزٌّ على التوالي في الرؤيا، بينما الفاصل بين الحدثين سنوات في واقع الأمر.
يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): «…وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللَّهُ خَيْرٌ فَإِذَا هُمُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ».
هذا الجزء من الحديث هو من أكثرها إشكالا؛ لتعدد رواياته واحتمالات معانيه.
فقد جاء في رواية: «وَرَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ، فَبَقرٌ وَاللَّه خَيْرٌ، فَبَقرٌ وَاللَّه خَيْرٌ». وجاء في رواية أخرى: «رَأَيْتُ كَأَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، وَرَأَيْتُ بَقَرًا يُنْحَرُ، فَأَوَّلْتُ أَنَّ الدِّرْعَ الحَصِيْنَةَ الْمَدِينَةُ، وَأَنَّ الْبَقَرَ نَفَرٌ، وَاللَّه خَيْرٌ» (صحيح الجامع). وجاء في رواية ثالثة: «…وَأَنَّ الْبَقَرَ بَقرٌ وَاللَّه خَيْرٌ…» (تغليق التعليق).

فالظاهر من الجمع بين هذه الروايات أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قد رأى في المنام بَقَرًا يُذبح، ففسر هذا البقر بأنهم المؤمنون الذين استشهدوا في غزوة أحد (رضي الله تعالى عنهم أجمعين).
والبقرة في المنام قد تدل على الإنسان؛ لأن عموم أجناس الحيوان قد تدل على الإنسان في المنام لوجود وجه للتشابه بينهم، أو كما جاء في قول الله (تعالى): ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (الأنعام:38)، أو كما فسرها النبي (صلى الله عليه وسلم): «…وَأَنَّ الْبَقَرَ نَفَرٌ…» (الحديث)، ونَفَر، أي جماعة من الناس.
وقد تدل البقرة في المنام على المسلم المؤمن الصالح كثير الخير؛ لكثرة خيرها وعطائها، أو ربما لسورة البقرة في القرآن الكريم، والتي جمعت أصول الإسلام والإيمان.
وقد يفسر البقر في المنام أنه بَقْرٌ، أي قَتْلٌ، أو كما تقول العرب: بَقَرَ البطن، أي شقَّه، وهذا محتمل المعنى في قوله (صلى الله عليه وسلم): «…وَأَنَّ الْبَقَرَ بَقرٌ…» (الحديث).
أما تعبير «وَاللَّه خَيْرٌ»، ففيه احتمالات كالتالي:

أولا: أن تكون جزءا من الرؤيا، بمعنى أن يكون النبي (صلى الله عليه وسلم) قد رأى بقرا ورأى خيرا (لم يتضح ما هو هذا الخير في الحديث الشريف)، ففسر البقر بالمؤمنين يوم أحد، والخير بثواب الصدق الذي أكرمهم الله (تعالى) به بعد غزوة بدر، أو كما يقول الله (تعالى): ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ…﴾ (سورة الأحزاب). فإلى مثل هذا القول ذهب ابن حَجَر العسقلاني في كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري.
ونرى أن احتمال صحة هذا القول ضعيف؛ إذ لا يوجد ما يدل قطعا على أن هذه العبارة كانت جزءا من الرؤيا.

ثانيا: ألا تكون «وَاللَّه خَيْرٌ» من الرؤيا أصلا، وتكون كلمة قالها النبي (صلى الله عليه وسلم) احتسابا للمؤمنين الشهداء عند الله (تعالى) عسى الله (تعالى) أن يعوضهم خيرا مما خسروا، أو بمعنى: والله خير وأبقى. وأن تكون: «…وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ»، فتكون هذه الجملة إقرارا بالخير والثواب الذي أكرم الله (تعالى) به المؤمنين فيمن احتسبوهم عند الله (تعالى) من شهدائهم وخسائرهم في الغزوات المعارك عموما.

وهكذا يكون معنى: «وَرَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ، فَبَقرٌ وَاللَّه خَيْرٌ، فَبَقرٌ وَاللَّه خَيْرٌ»، أي رأيت بقرا تذبح، فيكون تأويل ذلك أنه بَقْرٌ، أو ففسرتها على أنها بَقْر، أي قتل (استشهاد المؤمنين يوم أحد)، والله خير، أي والله خير وأبقى، أي نحتسبهم شهداء عند الله (تعالى)، ونسأله (عز وجل) العوض. فتكون الفاء هنا سببية، أي ما قبلها سبب لما بعدها. وهذا احتمال قوي؛ لقوله (صلى الله عليه وسلم) أيضا: «وَأَنَّ الْبَقَرَ نَفَرٌ، وَاللَّه خَيْرٌ»، أي نفر يستشهدون يوم أحد، والله خير، أي والله خير وأبقى، نحتسبهم عند الله (تعالى) شهداء، ونسأله (تعالى) العوض والجزاء. أما تكرار العبارة مرتين: «فَبَقرٌ وَاللَّه خَيْرٌ، فَبَقرٌ وَاللَّه خَيْرٌ»، فربما للتوكيد على قوة الإيمان والثبات رغم فداحة المصيبة. فكان جزاء الصبر والاحتساب لشهداء المسلمين جميعا منذ غزوة بدر عند الله (تعالى) هو الخير والثواب، أو كما قال (صلى الله عليه وسلم): «…وَإِذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللَّهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ».

هذا مبلغ اجتهادي والله (تعالى) أعلم بالصواب.

يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): «رَأَيْتُ فِي سَيْفِي ذِي الْفَقَارِ فَلًّا، فَأَوَّلْتُهُ: فَلًّا يَكُونُ فِيكُمْ. وَرَأَيْتُ أَنِّي مُرْدِفٌ كَبْشًا، فَأَوَّلْتُهُ: كَبْشَ الْكَتِيبَةِ. وَرَأَيْتُ أَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فَأَوَّلْتُهَا: الْمَدِينَةَ، وَرَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ، فَبَقرٌ وَاللَّهُ خَيْرٌ، فَبَقرٌ وَاللَّهُ خَيْرٌ».

في هذا المنام رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) في سيفه ذي الفقار (وكان قد غَنِمَه يوم بدر) فلًّا، أي كسرا في حدِّه، ففسره (صلى الله عليه وسلم) أنه فلٌّ في المسلمين، أي انهزام في المسلمين، وهم شهداء يوم أحد (رضي الله تعالى عنهم أجمعين). وكذلك رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه يمتطي أرداف كبش (يمكن للإنسان أن يمتطي ظهر الكبش أو أردافه)، ففسره (صلى الله عليه وسلم) بأنه تغلُّب على طلحة بن أبي طلحة العبدري (وكان يلقب بكبش الكتيبة)، وكان حامل لواء المشركين يوم غزوة أحد، وقد قتله الإمام علي بن أبي طالب (كرم الله تعالى وجهه) في المعركة. كذلك رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه يرتدي دِرعا قوية، والدرع هو قميص الحرب يلبسه الفارس، ويتحصن به من ضربات العدو، ففسرها النبي (صلى الله عليه وسلم) أنها المدينة المنورة، أما ما تبقى من الرؤيا، فقد تقدم شرحه.

والسيف في الرؤيا كناية عن الحرب؛ لأنه أداته، والفلُّ فيه كناية عن خسائر؛ لأنه تلف. والكبش كناية عن الشخص المذكور الذي يطلق عليه لقب كبش الكتيبة؛ للجناس بين كلمة اسم رمز الرؤيا (كبش)، وبين لقب المذكور (كبش  الكتيبة)، وامتطاء أرداف الكبش ربما يدل على تأييد من الله (عز وجل) في القضاء على هذا المشرك؛ لقول الله (تعالى): ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (الأنفال:9). لاحظ الجناس بين كلمة «مُردِف» في الحديث الشريف، وبين كلمة «مردفين» في الآية الكريمة. أما الدرع الحصينة، فهي كناية عن المدينة المنورة؛ لأنها محاطة بالجبال الشاهقة التي تحصن أهلها وتمنع الأعداء من اقتحامها، وبالفعل لم يستطع المشركون أن يقتحموها أبدا.

هذه الرؤيا يمكن أن نلاحظ بعض القواعد المهمة في تفسير الرؤى، ومنها قاعدة الجناس، وهي أن يكون هناك تشابها في اللفظ بين اسم رمز الرؤيـا، وبين شيء آخـر في الواقع، فيـدل
رمز الرؤيا على هذا الشيء، كما دل الكبش في المنام على كبش الكتيبة في الواقع. وكذلك الجناس بين اسم رمز الرؤيا وكلمة في آية من القرآن الكريم، فيتم تفسير هذا الرمز بشيء يرتبط بالكلمة في الآية القرآنية الكريمة، فمثلا: تفسير إرداف الكبش في الرؤيا من خلال كلمة «مردفين» في الاية الكريمة، وما يرتبط بها من معنى التأييد الإلهي، فكان إرداف الكبش في الرؤيا هو تأييد إلهي ضد كبش الكتيبة، أو طلحة بن أبي طلحة.

كذلك تظهر في الرؤيا قاعدة التشابه في صفة لتفسير الرؤى، وهي أن تتشابه صفة لرمز الرؤيا مع صفة لشيء في الواقع، فالدرع الحصينة هي ساتر قوي يتحصن به من بداخله ضد هجمات الأعداء تماما كالمدينة المنورة التي تحيط بها الجبال فتحصن سكانها ضد الهجوم عليها، فكان هناك تشابه بين صفة الدرع الحصينة وصفة المدينة المنورة، فتم تفسير هذه في الرؤيا بتلك في الواقع.
في هذه الرؤيا يظهر أحد أهم ملامح طبائع الرؤى عند المسلم، وهو عدم التبشير بأمر محزن إلا وكان معه شيء مفرح أو طمأنة للمبتلى بأن الله (تعالى) سيلطف به. وهذه صفة من الصفات البارزة لرؤى الصالحين التي فيها بشارات بهموم أو نكد. ويظهر ذلك في الرؤيا بوضوح، ففي البداية توجد بشرى بانهزام يكون في المسلمين، ومع ذلك فإن هذا الانهزام لن يكون كاملا ولا تاما، فالرؤيا تبشر أيضا بالظفر على كبش الكتيبة، طلحة بن أبي طلحة، حامل لواء المشركين، فهنا يظهر البلاء في الرؤيا، لكن يظهر لطف الله (عز وجل) بالمسلمين كذلك. وبالمثل، تظهر البشرى في الرؤيا باستشهاد عدد من المسلمين، ومع ذلك لن يستطيع المشركون اقتحام المدينة المنورة أو احتلالها، وقد كان هذا هو هدفهم للقضاء على الإسلام والمسلمين.
فهنا تظهر في الرؤيا بشارات بخسائر في المسلمين، ولكن تظهر بشارات أخرى بمكاسب مهمة وحفظ لمدينتهم ودولتهم. والحمد لله رب العالمين.

كذلك تظهر في هذه الرؤيا قاعدة مهمة في صياغة التفسير يلجأ لها المفسر عادة، وهي ألا ينتهي تفسير رؤيا المسلم الصالح بأمر محزن إلا أن يبشر المفسر الرائي بالخير وبرحمة الله (تعالى) بعدها، وإن لم يكن ذلك من الرؤيا حتى لا يتسبب في حزن للمسلم، ولا يقنطه من رحمة الله (تعالى)، وحتى لا يهتز حسن ظنه بالله (عز وجل). ودليلنا على هذه القاعدة هو قول الله (تعالى): ﴿…سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (الطلاق:7). وقد ظهر ذلك فعلا في آخر الرؤيا، في قوله (صلى الله عليه وسلم): «…وَرَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ، فَبَقرٌ وَاللَّهُ خَيْرٌ، فَبَقرٌ وَاللَّهُ خَيْرٌ».

يظهر كذلك في تفسير الرؤيا مناسبته لأحوال رائيها (صلى الله عليه وسلم)، فعلى الرغم من أن بها بعض رموز قد تبدو شخصية تخصه هو (صلى الله عليه وسلم)، إلا أنه تم تفسيرها على معانٍ لعموم المسلمين. فعلى سبيل المثال، رؤياه (صلى الله عليه وسلم) للفلِّ في سيفه، هو رمز شخصي في الرؤيا، وكذلك رؤياه (صلى الله عليه وسلم) أنه يرتدي درعا حصينة، فهذا رمز شخصي أيضا، لكن لأن رائيه (صلى الله عليه وسلم) إمام عامة، فقد تم تفسير هذه الرموز الشخصية على معانٍ عامة، وكذلك فالعكس صحيح، ففي بعض الأحيان قد يرى المسلم العادي رموزا لأشياء عامة، كأن يرى الخلائق يوم القيامة، أو يرى الأئمة والملوك، ولكن يتم تفسير هذه الرؤى على معانٍ خاصة بالرائي فقط إن لم يكن من المشتغلين بالشأن العام أو المهتمين به.

وهكذا يظهر في تفسير هذه الرؤيا ما يجب أن يتحلى به المفسر من فطنة وثقافة وذكاء – بفضل الله (تعالى) وتوفيقه (سبحانه)-، فيدرك أحداث الواقع جيدا، ويدرك تفاصيلها، ويتمكن من اكتشاف ارتباطات معينة أو علاقات بينها وبين رموز الرؤى، ففي هذه الرؤيا كان المسلمون في مرحلة جهاد في سبيل الله (تعالى)، وقتال بينهم وبين المشركين، ولا بد من مراعاة هذا الواقع في تفسير هذه الرؤيا.

وكذلك يجب على المفسر أن يدرك أحوال الرائي، ويستطيع أن يستفيد منها جيدا في تفسير الرؤى، فيتم تفسير الرؤيا بما يليق ويتفق مع أحوال رائيها فعلا وما يتناسب معه، فرؤيا إمام عامة غير رؤيا واحد من العامة، ورؤيا المسؤول، غير رؤيا المسلم العادي، غير رؤيا الكافر، ورؤيا الأعزب غير رؤيا المتزوج، ورؤيا الطبيب غير رؤيا المهندس، فمن العبث مثلا أن يتم تفسير رؤيا طبيب على أنه سينجح في تصميم عمارة سكنية، ويحصل على جائزة في ذلك، ومن العبث أيضا أن يتم تفسير رؤيا مهندس على أنه سيقوم بأداء عملية جراحية ناجحة، ويحصل على وظيفة مدير مستشفى، ومن العبث كذلك أن يتم تفسير رؤيا شخص أعزب على أن بينه وبين زوجته مشاكل وأنه سيطلقها قريبا!..وهكذا.

يظهر في الرؤيا كذلك أحد أهم خصائص الرؤيا وطبائعها، وهو أنها عادة ما تأتي للمسلم برموز أو أشياء شخصية، إما أنها تخصه هو، أو أنه يتعامل معها، أو أنه يعرفها، فرموز الرؤيا غالبا ما تكون من داخل عالم رائيها وأدوات هذا العالم، حتى الرؤى التي تأتي فيها أشياء غير مألوفة، كرؤيا يوم القيامة مثلا، تجدها تأتي للرائي عادة في أشكال مألوفة يعرفها كأن يرى النائم جماعة كبيرة من الناس في مكان صحراوي يقفون تحت أشعة الشمس الحارة.
وهكذا يعتمد تفسير الرؤيا على عدد من العوامل تتداخل كلها وتتكامل في تحديد المعنى الأرجح والأقرب للصواب، وتحديد الشكل النهائي والأنسب لتفسير الرؤيا.
والله (تعالى) أعلم.

One thought on “الرؤى تبشر المسلمين بالهجرة والفتح والجزاء العظيم، وتعزيهم في مصابهم يوم أحد

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s