هل يمكن أن يرى المسلم رؤيا سابقة في داخل رؤيا لاحقة؟ وما دلالة ذلك؟

لا تنتهي عجائب الرؤى، ولا يكاد يمرُّ وقت قصير حتَّى تنكشف المزيد من غرائبها بفضل الله (تعالى). أمَّا عن رؤيا المسلم لرؤيا سابقة له في داخل رؤيا لاحقة، فهو من الأمور التي حدثت للعديد من المسلمين.
وقد يرى المسلم الرؤيا السابقة في الرؤيا اللاحقة في أشكال مختلفة كأن يرى نفسه في رؤيا يقصُّ رؤيا سابقة له على شخص ما، وقد يرى أنـَّه يسجِّلها (يقُصُّها) على مسجِّل صوتيٍّ، وقد يرى أنـَّه يفكر فيها، أو أيَّ شيء آخر دون تحديد له…إلخ.
ومن أمثلة ذلك: ما حدث لي شخصيًّا، وكنت قد رأيت رؤيا، ثم مرَّ على هذه الرؤيا وقت قصير، ثم رأيت نفسي في رؤيا أخرى أقصُّ هذه الرؤيا السابقة على أمِّي.
والرؤيا في داخل الرؤيا قد تكون لها معانٍ كثيرة يصعب حصرها، إذ تتعدَّد وتتباين مع اختلاف الرؤى واختلاف الناس. ولكن يمكن الإشارة إلى قواعد عامَّة ومهمَّة قد تسهم بشكل كبير في إيضاح غموض هذه الظاهرة.
فأمَّا عن أُولى هذه القواعد، وأهمِّها، وأشملها فهي أنَّ الرؤيا إذا دخلت في رؤيا أخرى، تغيَّرت طبيعتها (أي الرؤيا الداخلة في غيرها)، فتحوَّلت من رؤيا إلى رمز داخل رؤيا. وذلك بمعنى أنَّ الرؤيا العاديَّة التي يراها المسلم تتكوَّن عادة من أكثر من رمز، فهذه هي طبيعة تكوين الرؤيا، أمَّا إذا جاءت هذه الرؤيا في داخل رؤيا أخرى، فلا ينبغي التعامل معها (أي الرؤيا الداخلة في غيرها) في هذه الحالة على أنـَّها رؤيا تتطلَّب تفسيرًا، بل ينبغي التعامل معها هنا على أنـَّها رمز من رموز رؤيا أخرى هي التي تتطلَّب تفسيرًا.
فمثلًا: في الرؤيا التي ذكرتها كمثال سابق ممَّا رأيت، يمكن أن نقول أنَّ رموزها هي: أمِّي، والرؤيا السابقة، وقصُّ الرؤيا عليها. فنلاحظ هنا أنَّ الرؤيا الداخلة في أخرى قد اختلفت طبيعتها، فلم نعُد نتعامل معها على أنـَّها رؤيا، بل على أنـَّها رمز في رؤيا أخرى.
وهنا تنقلنا هذه النتيجة إلى سؤال آخر، وهو: ما هو الفرق بين الرؤيا كرؤيا وبين الرؤيا كرمز داخل رؤيا أخرى؟ والجواب هو: أنَّ التعامل مع الرؤيا في الحالتين يختلف تمامًا. ففي الحالة الأولى، يتمُّ التعامل مع الرؤيا على أنـَّها كيان يتألَّف من عدد من العناصر (الرموز) يدلُّ كلُّ عنصر منها على معنى واحد فقط غالبًا يتمُّ الجمع بين هذه العناصر معًا لاستخراج معنى معيَّن من الرؤيا يُشارك في صنعه كلُّ عناصرها. أمَّا في الحالة الثانية، فإنَّ الرؤيا الداخلة ذاتها هي ليست إلا رمزًا يدلُّ على معنى واحد داخل رؤيا قد تتعدَّد رموزها فتشارك جميعًا في صنع تفسير لها.
ولكي نعطي مثالًا يسهِّل فهم هذه المسألة نقوم بتشبيه الرؤيا بمسلم اسمه «أحمد»، ونفترض أنَّ رموزها هي أعضاء جسده، بمعنى أنَّ أحمدًا مثلًا هو عبارة عن مخٍّ، وقلب، ومعدة، وكبد، وأمعاء…إلخ، وهكذا تجتمع كلُّ هذه الأشياء فتكوِّن لنا في النهاية هذا الشخص الذي اسمه أحمد. ففي هذه الحالة تمَّ التعامل مع أحمد على أنـَّه مجموعة من الأعضاء تؤدِّي في النهاية إلى هذا الكيان الإنسانيِّ المتميِّز.
ولكن إذا افترضنا أنَّ أحمدًا هو موظَّف في شركة استثماريَّة، ففي هذه الحالة سنتعامل مع أحمد على أنـَّه كيان واحد في داخل منظومة يتَّحد كلُّ أفرادها للقيام بهدف واحد، وهي الشركة التي يعمل بها، فلا مجال هنا للحديث على أعضاء جسد أحمد، بل يتمُّ التعامل معه هنا كمعنى واحد فقط، وهو أنـَّه موظَّف داخل شركة تتكوَّن من عديد من الموظفين. وهكذا الرؤيا، فهي في الحالة العاديَّة كأنـَّها أحمد الذي يتكوَّن من عدد من الأعضاء، يتَّحدون كلُّهم ليصنعوا أحمدًا، أمَّا إذا دخلت الرؤيا داخل رؤيا أخرى، فكأنـَّها أصبحت أحمد الموظَّف في شركة بها العديد من الموظَّفين يتعاونون جميعًا لإتمام عمل واحد مشترك.
ولا شكَّ أنَّ ظهور رؤيا قديمة في داخل رؤيا جديدة بكيفيَّة معيَّنة قد يقوِّي احتمال صدق الرؤيا القديمة. ومن أمثلة ذلك، أنَّ واحدًا نحسبه من الصالحين كان له صديق قديم فاسد العقيدة، وكانت العلاقات بينهما مقطوعة لهذا السبب. وبعد فترة رأى هذا الرجل الصالح رؤيا مفادها أنَّ صديقه هذا قد تاب وانصلح حاله ممَّا هو فيه. فاستيقظ من الرؤيا، واعتقد أنـَّها ربما تكون من أحاديث النفس أو أنَّ لها دلالة رمزيَّة لا علاقة لها بهذا الصديق القديم. ولكن قبل مرور بضعة أيام رأى هذا الرجل مرة أخرى في المنام هذا الصديق القديم وكأنَّه خارج من مسجد، فأقبل عليه الرائي، وقال له: لقد رأيت فيك رؤيا (أي أنَّك تُبت ممَّا أنت فيه)، ولكنِّي ظننتها من أحاديث النفس.
فبدأ الرائي يتصوَّر أنَّ في هذه الرؤيا الداخلة في أخرى إشارة قويَّة إلى أنَّ هذا الصديق القديم قد تاب فعلًا أو على وشك توبة. وهكذا، فإنَّ ظهور الرؤيا السابقة في رؤيا أخرى لاحقة كان سببًا في تقوية الرؤيا الأولى، وترجيح صدقها. 
وقد يصاب بعض المفسِّرين بالرهبة والذهول أحيانًا إذا عُرضت عليهم رؤيا في داخلها رؤيا أخرى، فيحتارون في تفسيرها. ومع ذلك، نؤكِّد على أنَّ تفسير هذا النوع من الرموز ليس صعبًا بفضل الله (تعالى)، وأنَّه ينبغي التعامل معه كأيِّ رمز عاديٍّ من رموز الرؤى، والبحث له عن قاعدة من قواعد تفسير الرؤى يمكن على أساسها تفسيره.
ومن أمثلة تفسير الرؤيا الداخلة في رؤيا أخرى:
1. نفترض أنَّ شخصًا رأى نفسه في المنام يقصُّ رؤيا له على أخيه. فيُحتمل أن يدلَّ ذلك في بعض الرؤى على معنى الهمِّ؛ لقول الله (تعالى): ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (يوسف:5).
2. نفترض أنَّ شخصًا رأى نفسه في المنام يقصُّ رؤيا له على شخص يحبُّه. فيُحتمل أن يكون ذلك بشرى للرائي بخير؛ لقول النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم): «فإذا رأى أَحَدُكُم ما يحبُّ، فلا يحدِّث به إلَّا من يحبُّ» (مُتَّفق عليه). وها هو قد قصَّها في الرؤيا على من يحبُّ، فهذا تأكيد على أنَّ الرؤيا التي قصَّها هي رمز لشيء جميل ومحبوب.
3. نفترض أنَّ شخصًا رأى نفسه في المنام يقصُّ رؤياه على شخص لم يره منذ فترة طويلة. فقد تكون هذه بشرى برؤيته (أي لقائه)؛ للجناس بين كلمة «رؤيا» التي هي الرمز الذي قصَّه الرائي في المنام، وبين كلمة «رؤية» التي تكون بالبصر (راجع قاعدة الجناس في تفسير الرؤى). فقصُّ رؤيا في المنام على شخص قد يكون تفسيره أنَّ الرائي سوف يرى هذا الشخص أو يلتقي به في الواقع.
4. نفترض أنَّ شخصًا رأى نفسه في المنام يسجِّل رؤياه شفهيًّا على جهاز تسجيل. فربَّما تدلُّ له هذه الرؤيا على أنه سوف يكتب مذكِّراته؛ لأنَّ الرؤيا التي يسجِّلها هذه في هذا المنام قد تكون رمزًا لأحداث حياته؛ لأنَّ الرؤيا هي عبارة عن رموز تدلُّ على أحداث في حياة الإنسان مثلما أنَّ كتابة المذكِّرات هي تدوين لأحداث حياة الإنسان، فكانت الرؤيا في المنام رمزاً للمذكِّرات في اليقظة (راجع قاعدة التشابه في تفسير الرؤى).
5. ومن أمثلة ذلك أيضًا: ما رآه أحد الصالحين من رؤيا أزعجته، فنام مرة أخرى، فرأى نفسه يسأل الله (تعالى) عن هذه الرؤيا التي أزعجته، فأخبره (سبحانه) في الرؤيا أنـَّها (أي الرؤيا المُزعجة السابقة) من الشيطان.
ومن أمثلة ذلك أيضًا: أنَّ شخصًا قد خاف من المرض، فرأى نفسه في المنام يقول: رأيت رؤى بأنِّي لست مريضًا. فكانت هذه الرؤيا طمأنة له بأنَّه ليس مريضًا بإذن الله (تعالى)؛ لأنـَّه ذكر تفسير رؤيا داخل رؤيا أخرى، فدلَّت له الرؤيا الداخلة على القَدَر الإلهيِّ بأنـَّه غير مريض بحمد الله (تعالى)؛ لقول النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم): «الرؤيا على رِجْل طائِر ما لم تُعَبَّر (تُفسَّر)، فإذا عُبِّرَت وقعت» (حديث صحيح – صحيح الجامع).
وحكاية رؤيا داخل رؤيا أخرى تقوية لمعنى الأولى؛ لقول النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم): «…فإذا حدَّث بها، وقعت» (حديث صحيح – رواه الترمذي). ومن أمثلة ذلك أن يرى المسلم في رؤيا أنـَّه رأى رؤيا، ثم يستيقظ منها في الرؤيا نفسها، ويحكاها لشخص في الرؤيا نفسها.
فمن رأى أنـَّه يتحدَّث برؤيا داخل رؤيا أخرى، فلعلَّ ذلك يدلُّ على تحقُّق تفسير الرؤيا الداخلة، والذي ذكره النائم في رؤياه كما رأينا في هذا المثال.
7. وقد يتمُّ تفسير الرؤيا التي تظهر داخل رؤيا أخرى بالمعنى الشخصيِّ، أو بما ارتبطت به من معنى أو تفسير عند رائيها، وذلك بمعنى أنـَّه إذا افترضنا مثلًا أنَّ شخصًا رأى رؤيا، ثم فسَّرها له مفسِّر على الخير، ثم رأى هذه الرؤيا في داخل رؤيا أخرى، فقد تكون الرؤيا الداخلة في الأخرى في هذه الحالة رمزًا لشيء طيِّب؛ لأنـَّها ارتبطت عند رائيها بالتفسير الطيِّب الذي قاله له المفسِّر سابقًا. وقد يكون العكس صحيحًا، فلو افترضنا أنَّ المفسِّر كان قد قال له تفسيرًا سيِّئًا للرؤيا، فارتبطت عند بمعنى الشرِّ، ففي هذه الحالة، قد تدلُّ له إن دخلت في رؤيا أخرى على معنى سيِّء؛ لأنـَّها ارتبطت عنده بالتفسير السيِّء.
ومن الجدير بالذكر أيضًا، أنَّ المسلم قد يرى رؤى غيره في داخل رؤياه.
ومن أمثلة ذلك: أنَّ رجلًا مُسلِمًا نحسبه من الصالحين كان قد تعرَّض لمحنة كبيرة، فرأت أمُّه في أثناء هذه المحنة أنَّ مصوغاتها الذهبيَّة قد سُرقت، فتصوَّرت أنَّ هذه الرؤيا تُشير إلى المحنة التي تعرَّض لها ابنها خاصَّة وأنَّ الذهب في الرؤيا قد يدلُّ على الولد؛ لقول الله (تعالى): ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ…﴾ (آل عمران:14).
وبعد ذلك انتهت المحنة، وخرج منها الولد سالمًا بفضل الله (تعالى). وبعد فترة نام هذا الرجل، فرأى في منامه أنـَّه يقول عن هذه الرؤيا القديمة التي رأتها أمُّه: «وما أدراك أنـَّه أنا يا أمِّي؟!»؛ أي وما أدراك أنَّ الذهب الذي رأيته يُسرق في رؤياك السابقة هو رمز لي أنا؟! فكانت له هذه الرؤيا بشرى وطمأنة من الله (تعالى)، ولله (عزَّ وجلَّ) الحمد والمنَّة.
والله (تعالى) أعلم.

جمال حسين – باحث ومحاضر ومدرب في علم تفسير الرؤى

One thought on “هل يمكن أن يرى المسلم رؤيا سابقة في داخل رؤيا لاحقة؟ وما دلالة ذلك؟

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s