ما هي خطورة عدم احتراس المسلم في اختيار من يقصُّ عليه رؤياه؟

مع الأسف الشديد، يتهاون كثير من المسلمين في قصِّ رؤاهم إلى درجة أنَّ بعضهم قد يقصُّ رؤياه على كلِّ من هبَّ ودبَّ، فهو يتصوَّر بذلك أنـَّه سوف يُسعِد من حوله، أو يُسلِّيهم، أو يفاخرهم برؤياه إن كانت حسنة، أو أنَّه سيجد تعاطُفًا – وربَّما مساندة نفسيَّة – من المحيطين به إن كانت رؤياه سيِّئة، إلَّا أنَّه قد لا يدرك في واقع الأمر مدى الخطورة المحتملة لعدم انتقائه بعناية من يقصُّ عليهم رؤياه، ومن ضمن هذه المخاطر:
1. أن يُعرِّض المسلم نفسه للإيذاء. وذلك إذا ما قصَّ رؤياه الحسنة على حاسد، أو حاقد، أو فاسد. وقد لا يتصوَّر المسلم في كثير من الأحيان أنَّ من يقصُّ الرؤيا عليه هو من هؤلاء المؤذين؛ لأنَّ كثيرًا من الناس يُبطنون ما لا يُظهرون، ويقولون ما لا يفعلون.
فليس هناك داعٍ أن يتهاون المسلم في حفظ رؤياه، فيدور بها على جيرانه، أو زملائه في العمل، أو غيرهم من المجهولين الذين لا يعرفهم الرائي معرفة جيدة، ولا يثق في قوَّة دينهم وصفاء قلوبهم.
ويكفي أنَّ يعقوب (عليه السلام) قد قال لابنه يوسف (عليه السلام) عندما رأى رؤيا حسنة ما جاء في قول الله (تعالى): ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ (يوسف:5)، فإذا كان أبوه قد حذَّره من قصِّ الرؤيا على إخوته الأقربِين، فما بالك بالأبعدِين من الناس؟ نسأل الله (تعالى) السلامة.
ومن أمثلة الرؤى التي قد يتسبَّب قصُّها بدون حذر في إحداث مشاكل: ما قد يراه مسلم في المنام أنـَّه أصبح مديرًا للشركة التي يعمل فيها، فيُحتمل إذا قصَّ هذه الرؤيا على زميله في العمل أن يخبر هذا الزميل المدير الحاليَّ بها، ممَّا قد يتسبَّب للرائي في مشاكل مع مديره، أو ربَّما اعتقد المدير إذا علم بهذه الرؤيا أنَّ الرائي يسعى لإزاحته من المنصب واحتلال مكانه، فتبدأ العداوات والصراعات بين المدير والرائي، بل وحتَّى إذا افترضنا أنَّ الزميل لم يخبر المدير بالرؤيا، فربَّما حسد الرائي عليها، أو كاد له بسببها.
ومن أمثلتها أيضًا: ما قد تراه في المنام امرأة مسلمة متزوِّجة أنَّها تتزوَّج من رجل غير زوجها، فتقصُّ الرؤيا على واحدة من جاراتها، فتقصُّها الجارة بدورها على زوجها، فيقصُّها زوجها بدوره على زوج المرأة الرائية، ثم أترك للقارئ المجال بعد ذلك أن يتخيَّل ما الذي يمكن أن يتسبَّب ذلك فيه من مشاكل.
2. أن يُعرِّض المسلم نفسه للاكتئاب، والحزن، والخوف. وذلك في حالة ما إذا رأى المسلم رؤيا سيِّئة، فذهب بها يقصُّها على كلِّ أحد، فيتبرَّع هذا له بتفسير لرؤياه، ويتطوَّع ذاك له بتفسير آخر لرؤياه، وطبعًا هؤلاء لا علم لهم ولا خبرة غالبًا بتفسير الرؤى – ذلك التخصُّص العلميُّ النادر الخطير -، وقد يفسِّروها للرائي تفسيرًا مُحزنًا مُخيفًا (والعياذ بالله تعالى).
وقد عاصرت حالة كهذه عندما بلغني أنَّ امرأة مريضة رأت رؤيا فيها قبور، فقصَّتها على أختها، ففسَّرتها لها تفسيرًا سيِّئًا، فقالت لها أنَّ القبور في المنام تدلُّ على الموت.
ولا يخفى على أحد بطبيعة الحال حجم المعاناة التي تكبَّدتها هذه المرأة بسبب هذا التفسير الجاهل للرؤيا حتَّى إذا وصلتني رؤياها، فسَّرتها لها على الخير والسرور، فاطمأنـَّت بفضل الله (تعالى).
3. أن يُعرِّض المسلم نفسه لسوء فهم الآخرين له، وشكِّهم في استقامته وسلوكه. وذلك في حالة ما إذا رأى المسلم رؤيا سيِّئة، أو فيها رموز جنسيَّة، فقصَّها على جاهل لا يعرفه، أو لا يعرف أنَّ هذه الرؤى تكون في الغالب رموزًا، فيُساء الظنُّ بالرائي الصالح.
ومن أمثلة ذلك: ما قد يراه المسلم في المنام أنَّه عريان، فهذه الرؤيا قد تدلُّ على معنى الإخلاص وطيبة النفس للمسلم الصالح، إلَّا أنَّه قد يظنُّ شخص جاهل يسمع بهذه الرؤيا أنَّ رائيها عديم الحياء.
وكذلك، فقد يرى مسلم صالح في المنام أنـَّه يحسد مسلمًا، وتدلُّ له الرؤيا على علم نافع يتعلَّمه ويُعلِّمه أو مال طيِّب يكسبه وينفقه في سبيل الله (تعالى)، بينما قد يظنُّ جاهل يسمع بهذه الرؤيا أنَّ رائيها شخص حسود شرِّير.
4. أن يُعرِّض المسلم نفسه للمضايقات والابتزاز. وقد يحدث ذلك في حالة الرؤى الجنسيَّة، وخاصَّة عند النساء. فقد ترى المرأة المسلمة الصالحة رؤيا فيها بعض الرموز الجنسيَّة، ويكون للرؤيا معنى طيِّب لا علاقة له بأيِّ فساد، ولكن قد يظنُّ رجل جاهل يسمع بهذه الرؤيا سوء الأخلاق في المرأة، فيلاحقها إن كان فاسدًا، وقد يهدِّدها بإخبار أشخاص معيَّنين برؤياها كزوجها مثلًا؛ ليُفسد عليها حياتها.
5. أن يقوِّي المسلم من احتمال عدم تحقُّق الخير في رؤياه، أو يقوِّي من احتمال تحقُّق الشرَّ في رؤياه. وذلك في حالة ما إذا قصَّ المسلم رؤياه الطيِّبة الجميلة على حاسد أو حاقد، فقد يؤدِّي الحسد أو الحقد إلى تقوية احتمال عدم تحقُّق الرؤيا على الخير؛ لما قد يكون للعين من تأثير قويٍّ جدًّا، أو كما قال النبيُّ (صلَّى الله عليه وسلَّم): «أكثر من يموت من أُمَّتي بعد قضاء الله وقدره بالعين» (حديث حسن – صحيح الجامع).
وأمَّا إذا ما قصَّ المسلم الرؤيا السيِّئة على آخرين – من غير الثقات من العلماء – سواء فسَّروها له على الشرِّ أم لم يفسروها، فقد يقوِّي ذلك من احتمال تحقُّقها على الشرِّ؛ لأنَّ النبيَّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) يقول: «الرؤيا مُعلَّقة برِجْل طائر ما لم يُحدِّث بها صاحبها، فإذا حدَّث بها وَقَعَت» (حديث صحيح – رواه أحمد).

والله (تعالى) أعلم.

جمال حسين – باحث ومحاضر ومدرب في علم تفسير الرؤى

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s