متزوجون في دنيا المنام

الزواج في الرؤيا بين حدود الواقع والخيال

بطلة هذه القصة فتاة وقعت في مأزق بسبب رؤيا رأتها في المنام. الفتاة عزباء وقد تعدت الثلاثين من العمر. ازدادت عليها ضغوط الأهل والمجتمع العربي بسبب تأخر الزواج. وفي ليلة نامت الفتاة فرأت في المنام أنها تزوجت من شخص لا تعرفه. بعد فترة التقت الفتاة على مواقع التواصل الاجتماعي في الإنترنت بشخص يشبه نفس الشخص الذي رأته في الرؤيا زوجا لها. وكم كانت المفاجأة! أخيرا التقت في اليقظة بالمجهول الذي رأت نفسها تتزوجه في الرؤيا … نفس الشكل وملامح الوجه! سبحان الله! شعرت الفتاة أنها رسالة مؤكدة لها من الله لتلفت نظرها إلى أن هذا هو الشخص المناسب للزواج. أرسلت إليه الفتاة وأخبرته بالرؤيا، ثم نشأت بينهما علاقة. لكن هناك بعض المشاكل والمعوقات في الواقع: الرجل في الستين من عمره، متزوج وله أولاد، لا يمكنه تطليق زوجته، يعيش في بلد آخر بعيد يعاني من اضطرابات عامة، ليس لديه إمكانيات مادية للزواج من أخرى، الفتاة من وسط اجتماعي يرفض تعدد الزوجات. ورغم كل هذه المعوقات ظلت العلاقة بينهما قائمة على الرؤيا … وعلى أمل تحقق الرؤيا … تعاهدا على الاستمرار والصبر والصمود حتى تحدث المعجزة ويتزوجا كما رأت الفتاة في الرؤيا. ولكن مرت أسابيع وشهور دون أن يحدث أي تطور، ولكن على العكس ازدادت المعوقات وتفاقمت العقبات وتباعت المسافات، وبدأت العلاقة تفتر وتضعف تحت ضغط الظروف غير المناسبة. ثم انتهت العلاقة. وكانت صدمة الفتاة شديدة، فانهارت، وحدثت لها حالة من الاهتزاز في الأفكار والقيم سببت لها معاناة وخلل نفسي واجتماعي عطل حياتها لسنوات متعددة.

تمثل هذه القصة نموذجا لأزمة نفسية اجتماعية متكررة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية استخدمت فيها الرؤيا وتفسيرها بشكل خاطيء لبناء آمال واتخاذ قرارات وتبرير تصرفات لا يمكن قبولها من الناحية الدينية أو الواقعية.

من الناحية الشرعية لا خلاف على أن الرؤيا الصالحة التي يراها المسلم أو ترى له تكون بشرى له من الله بالخير في أمور الدين والدنيا. ومع ذلك فالرؤيا ليست بديلا عن هذا الواقع بكل أسبابه وظروفه وتعقيداته. الرؤيا لها حدود، يستبشر بها المسلم ويحسن الظن في الله ويسعى في ما ينفعه دينا ودنيا،لكن لا ينفصل عن الواقع ويسجن نفسه وحياته ومستقبله في سجن رؤيا.

لم يخلق الله الرؤيا حتى يستخدمها الإنسان كذريعة لارتكاب حماقات أو مخالفات شرعية، ولا للاستمرار في حياة بعيدة عن الحكمة ومنطق العقل البسيط، ولا لتعذيب النفس أو الجسد بدون فائدة ولا لتقديم تضحيات خطيرة تفتح أبوابا من المشكلات. ليست هذه هي الرؤيا، ومن فهموها بهذا الشكل بالغوا وأضروا بأنفسهم وغيرهم.

صحيح أن تفسير الرؤيا إذا كان صحيحا فقد يدل على أمور تتحقق في المستقبل بالفعل، وهذا ثابت من الناحية الشرعية. ولكن ما لا يعرفه الكثيرون عن تفسير الرؤيا أنها عملية تقديرية ولها احتمالات متعددة. وبالتالي فتفسيرها ظني ومعرض للخطأ والصواب. ولهذا يجب على المسلم عندما يتعامل مع الرؤيا أو تفسيرها أن يجعلها أمرا مكملا للواقع ودافعا لاتخاذ الطريق الصحيح في الحياة، وليس أداة للانحراف والجري وراء الأوهام.

مثلا في قصة الفتاة المذكورة ارتكبت الفتاة خطأ بالتمسك بشخص لا تتناسب ظروفه وأحواله معها لمجرد أنها رأت نفسها تتزوج من يشبهه في الرؤيا، وربما قادها ذلك للدخول في مخالفات شرعية، والمعاناة من تعقيدات نفسية واجتماعية، ثم حدوث صدمات إن لم يتحقق ما ظنت أنه تفسير الرؤيا أو كان للرؤيا تفسيرا آخر مختلفا.

نصيحتي للجميع: استبشروا بالرؤى الصادقة وفسروها واسألوا الله أن تتحقق، لكن لا تجعلوا من الرؤيا سببا لضياع صوت العقل والحكمة في حياتكم، ولكن اجعلوا الرؤيا دافعا لتطوير حياتكم بما يرضي الله ورسوله حتى لا تحدث مشاكل وانتكاسات يصعب تلافيها لاحقا.

جمال حسين – باحث ومحاضر ومدرب في علم تفسير الرؤى

2 thoughts on “متزوجون في دنيا المنام

إضافة تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s