هل يجب على الرائي تصديق ظاهر رؤياه أحيانًا؟

تصديق ظاهر الرؤيا هو تنفيذ المسلم في اليقظة لما رآه في الرؤيا كما رآه بالضبط، وكأنـَّه ممثِّل يقوم بتنفيذ دور مكتوب. وقد فعل ذلك إبراهيم  (عليه السلام) عندما رأى رؤيا يُذبح فيها ابنه إسماعيل (عليه السلام)، فهمَّ إبراهيم بتصديق هذه الرؤيا بذبحه، إلَّا أنَّ الله (تعالى) افتدى إسماعيل بكَبش.
وقد وردت هذه القصة في القرآن الكريم في قول الله (تعالى): ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)﴾ (سورة الصافَّات).
وليس معنى ذلك أنَّ المسلم إذا رأى نفسه في المنام يذبح ابنه أن يفعل ذلك! فهذه الرؤيا هي وحي إلهيٌّ يأمر الله (تعالى) فيه نبيًّا من أنبيائه، وليست كرؤى الأشخاص العاديـِّين. كذلك، فقد كانت هذه الحالة خاصَّة بإبراهيم (عليه السلام)، ولن تتكرَّر بإذن الله (تعالى).
ولكن يُستَحَب للمسلم أن يُصدِّق ظاهر رؤياه بالشروط التالية:
1. ألَّا يتعارض تصديق ظاهر الرؤيا مع أحكام الإسلام. فمثلًا: رؤيا المسلم نفسه في المنام أنَّه يقتل أو يسرق، فيحرم عليه أن يفعل ذلك في اليقظة.
2. ألَّا يكون في تصديق ظاهر الرؤيا عجز، أو مشقَّة، أو أذى، أو هلاك، أو حماقة، أو تضييع للأوقات فيما لا فائدة منه. فمثلًا: رؤيا المسلم نفسه يصعد جبلًا وعرًا، أو يسبُّ شخصًا مؤذيًا باطشًا، أو يقفز من الشُّرفة ويطير، فلا ينبغي عليه أن يُصدِّق هذه الرؤى أو أشباهها.
ومن أمثلة الرؤى التي يُستحبُّ تصديقها: الرؤى التي يرى المسلم فيها نفسه يتصدَّق، أو يصوم، أو يقوم بأيِّ عمل من أعمال الخير الطيِّبة الممكنة التي رغَّب الإسلام فيها.
والدليل على أنَّ تصديق الرؤيا مستحبٌّ في بعض الحالات هو ما قاله النبيُّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) عندما رأى خزيمة بن ثابت (رضي الله [تعالى] عنه) رؤيا، فأخبره بها. قال: «رأيت في المنام كأنِّي أسجد على جبهة النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم)، فأخبرت بذلك رسول الله (صلَّى الله عليه وسلَّم)»، فقال: «إنَّ الروح لَتَلقَى الروح». وأقنع النبيُّ (صلَّى الله عليه وسلَّم) رأسه هكذا، فوضع جبهته على جبهة النبيِّ (صلَّى الله عليه وسلَّم). (حديث صحيح – رواه أحمد)، ومعنى أقنع رأسه: مدَّها.
والله (تعالى) أعلم.

جمال حسين – باحث ومحاضر ومدرب في علم تفسير الرؤى

Advertisements

إذا رأى المسلم رؤيا، وكان تفسيرها مناقضًا لتفسير رؤيا سابقة، فهل يُلغي تفسير الرؤيا اللاحقة تفسير السابقة؟

من أمثلة ذلك: إذا رأت فتاة رؤيا، ففسَّرها لها مفسِّر على أنَّها سوف تتزوَّج من شخص معيَّن، ثم رأت بعد ذلك رؤيا أخرى، ففسَّرها لها مفسِّر بأنَّها سوف تتزوَّج من شخص آخر، فهل يُلغي تفسير الرؤيا الثانية تفسير الرؤيا الأولى؟ أي هل ستتزوَّج الفتاة من الشخص الثاني في الرؤيا الثانية، بينما لن تتزوَّج من الشخص الأول في الرؤيا الأولى؟
ويمكن تلخيص إجابة هذا السؤال في بضع نقاط، وهي:
1. ما الذي يضمن أن تكون الرؤيا صادقة. فقد تكون إحداهما صادقة، بينما تكون الأخرى كاذبة، أو قد تكون كلتاهما كاذبتين.
2. ما الذي يضمن أن يكون تفسير الرؤيا صحيحًا. فقد يكون تفسير إحداهما غير صحيح، أو قد يكون تفسير كلتيهما غير صحيح.
3. قد يكون تفسير الرؤيـيين متناقضًا شكلًا لكنَّه غير متعارض مضمونًا.
فمثلًا: في الرؤيـيين السابقتين، واللَّتين رأت فيهما الفتاة ما فُسِّر لها بأنَّه زواجها من شخصين مختلفين، فعلى الرغم ممَّا يظهر في تفسير الرؤيـيين من تناقض في الشكل، إلَّا أنَّ مضمون كليهما قد يكون صحيحًا، فقد تتزوَّج الفتاة، من كلا الشخصين فعلًا، ولكن في أوقات مختلفة، أو قد يكون الشخصان رمزين لشخص واحد غيرهما، يدلُّ كلُّ واحد منهما على صفة معيَّنة فيه.
والله (تعالى) أعلم.
  

كيف يتغيَّر معنى الرمز في الرؤيا بتغيُّر حالته في اليقظة؟

الحياة بما فيها من أشياء، وأشخاص، وأحوال لا تثبت عادة على حال، فهي في تبدُّل، وتغيُّر، وتطوُّر مستمرٍّ، فسبحان من يُغيِّر ولا يتغيَّر.
ومن أهم الأمور التي ينبغي أن يأخذها مفسِّر الرؤى في الاعتبار عند تفسيره لرمز ما في رؤيا، هو حالة هذا الرمز في الواقع – إن كان موجودًا في الواقع ومعلومًا للرائي – في أثناء الوقت الذي رأى فيه الرائي رؤياه.
ومن أمثلة ذلك:
مثال 1: رؤيا مسلم في منامه لحاكم بلد في يوم إلقائه خطبة قويَّة على شعبه في الواقع، غير رؤياه في يوم تقديمه استقالته. ففي الرؤيا الأولى قد يدلُّ هذا الحاكم على رفعة شأن وقوَّة للرائي، بينما قد يدلُّ في الرؤيا الثانية على هموم، وذلك لاختلاف حالة رمز الرؤيا (الحاكم) في الواقع أثناء ما رأى النائم هذه الرؤيا.
مثال 2: رؤيا مذيع في قناة إخباريـَّة في المنام في يوم عمله في الواقع، غير رؤياه في المنام في يوم إجازته في الواقع. ففي الرؤيا الأولى قد يدلُّ هذا المذيع على فرصة عمل، بينما في الرؤيا الثانية قد يدلُّ على البطالة؛ لأنَّ حالة الرمز في الواقع اختلفت في وقت هذه الرؤيا عن الأخرى.
مثال 3: رؤيا المسلم لقميصه في الرؤيا، في حين أنَّ هذا القميص مغسول ومكويٌّ في الواقع قد يدلُّ على معنى خير، بينما رؤيا شخص لقميصه في الرؤيا، في حين أنـَّه مُتَّسخ وغير مكويٍّ في الواقع قد يدلُّ على معنى غير طيِّب.
مثال 4: رؤيا المسلم لغرفة من غرف بيته في المنام في اليوم الذي تمَّ تنظيفها وترتيبها فيه في الواقع أفضل من رؤياها في وقت لم يتمُّ تنظيفها ولا ترتيبها في الواقع. فقد تدلُّ الغرفة في الرؤيا الأولى على معنى خير، بينما قد تدلُّ على هموم أو مشاكل في الرؤيا الثانية.
مثال 5: رؤيا المسلم لسيَّارته في المنام بعد إتمام عمليَّة صيانتها وإصلاحها في الواقع أفضل من رؤياها في وقت كثرت فيه مشاكلها التي تحتاج إلى إصلاح في الواقع. فقد تدلُّ السيَّارة في الرؤيا الأولى على خير، بينما قد تدلُّ على هموم أو مشاكل في الرؤيا الثانية.
مثال 6: رؤيا المسلم في المنام لشخص في فترة استعداده للزواج في الواقع قد يدلُّ على معنى الزواج، بينما رؤياه له في المنام في فترة استعداده للطلاق في الواقع قد يدلُّ على معنى الطلاق. ورؤيا المسلم في المنام لشخص سعيد في حياته الزوجيَّة في الواقع قد يدلُّ على السعادة الزوجيَّة، بينما رؤيا المسلم في المنام لشخص تعيس في حياته الزوجيَّة في الواقع قد يدلُّ على التعاسة الزوجيَّة.
مثال 7: رؤيا امرأة مسلمة لامرأة أخرى في المنام أثناء فترة حملها في الواقع قد يدلُّ على معنى الحمل، بينما رؤياها لها في المنام في وقت حدوث مشاكل في الحمل في الواقع قد يدلُّ على معنى المشاكل في الحمل.
مثال 8: رؤيا المسلم في المنام لطالب في مدرسة بعد رسوبه في الامتحانات في الواقع قد يدلُّ على معنى الرسوب الدراسيِّ، بينما رؤياه له في المنام بعد نجاحه في الواقع قد يدلُّ على معنى النجاح الدراسيِّ.
مثال 9: رؤيا نوع معيَّن من الحيوانات أو الطيور في أثناء تفشِّي مرض خطير فيها في الواقع قد يكون غير محمود المعنى، كرؤيا الدجاج مثلًا في أثناء تفشِّي مرض أنفلونزا الطيور فيه (حفظنا الله تعالى والمسلمين من كلِّ داء وبلاء).
مثال 10: وهذا مثال حقيقيٌّ. وهو أنَّ رجلًا مُسلِمًا فقيرًا مهمومًا لم يتزوَّج نام في ليلة وهو يرتدي سروالًا ممزَّقًا أو رثًّا. فرأى نفسه في المنام بدون سروال، ورأى نفسه يرتدي ملبسًا داخليًّا معيَّنًا يمتلكه في الواقع. فعرض رؤياه على مفسِّر مسلم، فقال له بعد سؤاله عن حاله: فأمَّا رؤياك لنفسك بدون سروال، فهو زوال البؤس الذي تعيش فيه (لأنـَّه كان يرتدي سروالًا مُمزَّقًا أثناء النوم). ثم سأله المفسِّر عن مكان اللِّباس الداخليِّ في الواقع في الوقت الذي رآه في الرؤيا. فأجابه الشاب بأنَّ هذا اللِّباس في الواقع كان هو الوحيد المغسول والجافَّ في كلِّ الملابس الداخليَّة وقت هذه الرؤيا. فقال له المفسِّر: مبارك عليك الزوجة الصالحة الطيِّبة بنت الحلال. وعساه قريبًا بمشيئة الله (تعالى).
والله (تعالى) أعلم.